الصبر.. ثم الصبر!

الوحدة : 23-4-2020

اضطرت الحكومة إثر جائحة كورونا لإغلاق البلاد حرصاً على حياة المواطنين، ومحاولة منها لكبح جماح هذا الوحش الذي يفتك بكل من يقترب منه.

هذا الظرف العصيب أدى إلى رزوح مئات آلاف العائلات السورية تحت ضغط الحاجة للعمل اليومي بغية تأمين لقمة عيشهم، وتسيير أمورهم العالقة في المؤسسات العامة والخاصة، وبات الخوف من الجوع هاجساً يقض مضاجع الجميع، ويؤرق أيامهم ولياليهم، ولا إمكانية للوقاية إلا بالحجر والحظر، وتطبيق التباعد الاجتماعي.

في السياق، وجد الفريق الحكومي المكلف بإدارة الأزمة أن المواطن بات بأمس الحاجة لتخفيف كماشة الحظر، فأعطت فسحة لافتتاح بعض المهن ضمن ضوابط معينة، وسمحت بالتنقل بين المحافظات ليومين متتالين رافعة شعار الاعتماد على وعي المواطن، وهذا ما جعل كثيرين يتندرون على هذا الشعار، ليحولوه إلى نكتة سمجة تثير الشفقة عليهم.

لو قرأ المتندرون وضع البلاد بشكل صحيح، وإمكانية الدولة بعد سنوات الحرب الدنيئة، لوجدوا أن وعيهم هو الوحيد القادر على تقليص سطوة هذا الوباء، فكما رأينا جميعاً، استطاع كورونا أن يشل دولاً عظمى، وأن يدخل الرعب إلى قلوب الشعوب الأكثر تطوراً وتفوقا من كل النواحي اللوجستية، فما بالنا ببلدنا المحاصر من كل الاتجاهات، والواقف على السراط بسبب العقوبات والاعتداءات على مقدراته، ولماذا تستنكرون التعويل على وعيكم في هذه الحالة المستجدة، كما تم التعويل على عقولكم في حالة الحرب المستمرة؟.

يجب أن نفرح عندما يكون الوعي الشعبي أحد أسلحة الدولة في مجابهة الأخطار، فهذا امتياز لنا على كل دول العالم التي قبلت الوباء ورضخت له بأعداد هائلة من المصابين والمتوفين، وليس من الحكمة في مكان أن نستهزئ بهذه الجزئية لأنها الأداة القوية الأولى في يد الدولة.

عندما سمح الفريق الحكومي بمعاودة جزء من النشاط الاقتصادي، أُحطنا بحالة من التفاؤل لجهة أن السيطرة على الوباء أصبحت قريبة، وعندما سُجلت حالات جديدة من الإصابات، عرفنا لماذا قالوا لنا: نعول على وعيكم، وأدركنا أن المعادلة باتت على الشكل التالي:

كورونا بات موجوداً بيننا، والطريقة للحد من تأثيره هي الحظر، وبما أن جماً غفيراً من المواطنين يحتاج إلى العمل، ليكمل دورة حياته المعيشية، فلا بد لنا أن نخفف وطأة الحظر بشرط أدبي عنوانه الوعي الجمعي أمام الواقع الجديد، وهنا يجب أن نقبل التحدي، وأن نتحلى بكل أنواع الوعي، لا أن نحول العبارة إلى حالة للتندر، فليس كل ما يفرض يطاق، ولا كل ما يباح مفيد، ومع كورونا لا يجوز أن تبيح الضرورات كل المحظورات، ولا أن نستغل فترات السماح لنعيش حياة طبيعية، وعلينا الانتظار (ولو على مضض) لينجلي غبار المعركة مع العدو المستجد.

غيث حسن


طباعة   البريد الإلكتروني