الحرائق... بعيداً عن العاطفة!

الوحدة 13-10-2020

 

أن تعلن الجهات المعنية بدء حصر الأضرار الكبيرة التي خلّفتها حرائق الأيام الماضية، فهذا عمل روتيني، لا ينجز من أجل التعويض على المتضررين فقط، وإنما من أجل توثيقه في السجلات الرسمية، ومن ثم البناء عليه، سواء في مكافأة من شارك بالإطفاء، أو لجهة زيادة إنتاج الغراس، أو وضع خطة طوارئ للقرى التي تتعرض للحرائق باستمرار، وغير ذلك من التفاصيل التي قد تمتد إلى أشهر طويلة..

ومع تضامننا المطلق مع كل شخص خسر ولو (دجاجة) واحدة فقط، أو شجرة زيتون واحدة، إلا أن التعامل (العاطفي) مع النتائج لا يكفي.

أولاً، نتمنى على السيد وزير الزراعة، والسيد وزير الإدارة المحلية وكل الجهات المتشابكة في هذه الحرائق، أن يطلبوا من مديرياتهم الفرعية الابتعاد عن الحديث العاطفي، وأن يمتلكوا المعلومات المقنعة، وأن يتعاملوا بـ (جديّة النيران) التي أتت على مساحات كبيرة من الحراج والزيتون والممتلكات الخاصة أيضاً، وفرضت على بعض القرى النزوح ولو لبضع ساعات، وليس هناك ما هو أصعب من أن ترى النيران تسير نحوك بكل سرعة الرياح التي كانت يومي الخميس والجمعة الماضيين، إذ لا مجال للتصدي لها، وهي على تلك الحالة من الجنون.

التعويض على المتضررين ليس (منّة) ولا يجوز أن يقتصر على الوعد بـ (غرسة مجانية) مقابل كل شجرة احترقت، فالخسارة أكبر بكثير من أن تكون غرسة بـ (شجرة).. شجرة عمرها عشرات السنين، وقد كلفت الكثير من الجهد والعرق، وحملت الكثير من الآمال..

اقترحنا سابقاً، ونكرر: لماذا لا تُعطى الغابة بعمق (100) متر على سبيل المثال لكل مزارع على طول أرضه المتاخمة للغابة، ويكون مسؤولاً عن نظافتها والاهتمام بها مقابل السماح له بالاستفادة من (احتطاب منظم ووفق شروط) من هذه المساحة فيضمن سلامة أرضه وسلامة الغابة المجاورة، ونلغي بهذه الحالة 50% من أسباب الحرائق.

الاقتراح الثاني على وقع (ضيق النَفَسَ) الذي عشناه بسبب الحرائق، وبدل أن نعود إلى تشجير هذه المساحات المحروقة بالأشجار الحراجية، لماذا لا تُطرح للاستثمار مع اشتراط تشجيرها بأشجار مثمرة تحقق فائدة للطرفين، فهي تفتح فرصة عمل ومعيشة لكثيرين، وبذات الوقت تريح خزينة الدولة من تكاليف إخماد الحرائق كل عام، وتقطع الطريق على المجرمين، ضعاف النفوس، وبذات الوقت تزيد إنتاجنا من الفواكه بما ينعكس إيجاباً على الأسواق وعلى قدرتنا كمواطنين على شراء التفاح مثلاً!

عوامل متداخلة

من حق الدولة أن تفرض أي شيء على المواطن إذا كانت ترى فيه مصلحة عامة، فإضافة لورشات العمل حول مرض عين الطاووس مثلاً، عليها أن تفرض على كل صاحب أرض حراثة أرضه، لكن ليس بـ ( 15-20) ألف ليرة للدونم الواحد كما هو دارج حالياً، وذلك من خلال توفير المازوت وزيادة مخصصات الجرارات الزراعية من المازوت المدعوم، ومن لا يفعل ذلك يتعرّض للعقوبة، وستكون أخف بكثير من تسببه بإضرار نفسه وإضرار الآخرين.الأرض لمن يعمل بها، قد نكون أحوج ما يمكن للأخذ بمضمون هذا الشعار، ومن لا يستطيع العمل بالأرض على أكمل وجه لا يجوز أن يمتلكها ولو أن قانون حق الملكية يقول غير ذلك، وبإمكان أي صاحب نظر صادق ومسؤول أن يعمل (جولة) ويسأل عن ملكية الأراضي التي تكون فيها الأعشاب أكبر من أشجار الزيتون ويخبرنا بالنتيجة.

الطرق الزراعية

وأيضاً تحدثنا في مرات سابقة عن أهمية هذا الموضوع، وقلنا إن إنجازها لا يجوز أن يمنعه عدم موافقة البعض.. الأمر هنا استراتيجي وأكثر من مهم، والتلكؤ في عدم إنجاز المزيد من الطرق الزراعية سيبقى هذا الخطر الداهم قائماً..

بأسوأ الحالات، على وزارة الزراعة أن تستصدر قرارات استملاك من أجل تنفيذ طرق زراعية جديدة.

والأهم!

هو الوعي بحجم هذا الخطر.. الوعي بأننا جميعاً شركاء بالخسارة، وبالتالي فإننا جميعاً مسؤولون عن المبادرة..

علينا أن نبلّغ عن أي شخص يضرم النار مهما كانت الأسباب، وبالدرجة الأولى أن ننهي أنفسنا عن ذلك..

علينا أن نختار عناصر (حراج) شرفاء لا يتحولون إلى شركاء مع بعض الذين يعتدون على أشجارنا.

وعلينا أن نؤمن ببلدنا وأن ندافع عن كل شجرة فيه، تماماً كما ندافع عن كل شبر من أرضه..

كان المشهد أكثر من مؤلم، ونتمنى ألا يتكرر، وننتظر البيانات الرسمية الخاصة بالحرائق، وما هي الإجراءات التي ستتخذ، وستكون لنا أكثر من عودة لهذا الملف.

غانم محمد


طباعة   البريد الإلكتروني