ثروتنا الحيوانية تستدعي وقفة جميع المعنيين لمواجهة الخطر ومحاربة الجدري

الوحدة 28-6-2020

 

تتالت هموم مربي الثروة الحيوانية خلال السنوات الأخيرة حتى قضّت مضجعهم وحرمتهم طعم الراحة وقد كان هاجسهم في البداية تأمين علف حيواناتهم بأي طريقة وحمايتها كونها مصدر رزقهم إلى أن انتهي بهم المطاف بابتلاء أبقارهم بمرض الجدري الذي يفتك بها دون رحمة ويؤدي في أحيان كثيرة إلى موتها ونفوقها وخسارة المربي خسارة كبيرة لا تعوض بثمن، وهذا ما دفع بالكثير من المربين إلى التخلي عن مهنتهم الوحيدة التي توارثوها عن آبائهم وبيع أبقارهم خوفاً من وصول المرض إليها والفتك بها وهذا بدوره ينعكس سلباً على القرية والمجتمع بكامله إذ قد يضطر الإنسان إلى السؤال في عدة قرى للحصول على الحليب وبأسعار باهظة، بينما كان يتوفر في السابق بكثرة وأسعار مقبولة.

الوحدة التقت بعض المربين الذين تحدثوا بغصّة كبيرة عن آلامهم وتعبهم وخساراتهم الفادحة في لقمة عيشهم وعيش أسرهم عليها.

- المربي أحمد جديد من قرية دير حنا قال: كنت أحلم أن تكبر مزرعتي ومشروعي الصغير لأستطيع أن أغطي كافة احتياجات عائلتي ومتطلباتها وخاصة في ظل هذا الغلاء ولذلك اشتريت بقرة جديدة بمبلغ ٢,٣٥٠٠٠٠ ليرة من إحدى قرى جبلة القريبة ولم تبق عندي سوى يومين حتى ظهر المرض عليها وانتشر الجدري في كامل جسمها ولم أترك وسيلة لمعالجتها إلا واتبعتها ولا طبيب ألا واستشرته في وضعها وبقيت شهرين على هذه الحالة  دفعت خلالهما الكثير للأدوية والبيطريين ومن ثم ماتت وللأسف كانت البقرة الثانية قد أصيبت بالعدوى أيضاً وماتت وتساءل هل معقول أنه لا يوجد دواء يساعد في علاج هذه الأبقار وحمايتها وحماية مصدر معيشتنا الوحيد، نتمنى من وزارة الزراعة مساعدتنا بأي طريقة والنظر في وضعنا ونحن لاحول ولا قوة لنا ولا مصدر عيش لدينا سوى هذه الأبقار والخوف والقلق يسيطر على كل أيامنا فما مصيرنا إن لم تمد الدولة يد العون لنا؟

- المربي وائل مقصود من قرية القرامة أيضاً تحدث بنفس الوجع والحزن وقال إن عمله في تربية الأبقار مصدر رزقه الوحيد وعائلته وإنه يقضي كل وقته بالاهتمام بها ورعايتها إلى أن جاء هذا المرض اللعين وتمكن من أجساد بعضها دون أن يفيد معها علاج أو دواء.

وأضاف: خسرت الكثير في محاولات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه واتبعت كل إرشادات الأطباء الذين استعنت بهم دون فائدة، فأقل علبة معقم سعرها ٢٥٠٠ ليرة لا تكفي البقرة يوماً واحداً وهذا أقل أنواع الأدوية وسعر ظرف الدواء ٧٠٠٠ ليرة أيضاً ليوم واحد وكل مرة ندفع للدكتور المعالج ما لا يقل عن ٢٥٠٠٠ ليرة متضمنة أجرة السيارة وبعض الأدوية التي يعطها للبقرة ورغم كل هذا الاهتمام ماتت عندي اثنتان إحداهما كانت (عشر) في الشهر السادس وحالياً مرضت عندي ثلاثة أخرى ولا نعلم ماذا نفعل ولا ما هو مصيرنا ونحن نرى كل ما جنيناه طوال حياتنا يذهب من بين أيدينا ونحن عاجزون عن القيام بأي شيء لنوقف هذا المرض اللعين ونحمي ما بقي منها من الأضرار والمرض، نتمنى أن ينظر المعنيون في وضعنا ومساعدتنا لأنه إذا استمر هذا الوضع فإن عائلات بأكملها ستنهار ولن يبقى لها مصدر دخل تعيش منه.

- المربي سليمان عثمان من قرية رويسة بدرية تحدث عما ألمّ بأبقاره وكم عانى ليقيها شر هذا المرض اللعين وكم حاول مستنجداً وسهر الليالي إلى جانبها لعله يستطيع أن يخفف وجعها حيث تحول هذا الجدري اللعين إلى جروح مفتوحة  تنز الألم والدم بشكل مستمر وأضاف إنه لم تنفع الأدوية معها ولم تستجب لأي علاج حتى ماتت ومرضت الأخرى وها نحن نقدم لها ما نستطيعه متأملين أن يقوى جسدها على هذا المرض وأن تشفى لعلنا نقف على أرجلنا من جديد في ظل ظروف الحياة القاسية التي نمر بها جميعاً، نتمنى أن يوجد الدواء الشافي لهذا المرض حتى لا يصاب الٱخرون بما أصبنا به ونتمنى أن يتم النظر بوضعنا ومساعدتنا من قبل المعنيين بالدولة لتحمل عبء هذه الخسارة التي لن نستطيع تعويضها أبداً ما لم تدعمنا وتقدم لنا يد العون.

التقينا حالات أخرى متعددة من المربين الذين خسروا كل ما يملكونه لكنهم رفضوا الحديث ربما لقناعة منهم أن الحديث دون فائدة وأنه لن يسمع صوتهم المبحوح أحد.

وبدورنا اتجهنا الى دائرة زراعة القرداحة والتقينا المهندس نزيه سلطان رئيس الدائرة الذي أخبرنا حول هذا المرض الذي يجتاح قطيع الأبقار قائلاً:

يعد مرض الجدري الكتيم مرضاً فيروسياً من العائلة الجدرية تصيب الأبقار ويترافق معها ارتفاع حرارة الجسم لتصل إلى ٤٠ -٤١ درجة مئوية مع وجود عقد جلدية ذات أشكال وأحجام مختلفة وفي أماكن متفرقة تحت الجلد وتسبب تضخم الغدد اللمفاوية بالإضافة إلى امتناع الحيوان عن الأكل مما يسبب الضعف العام للجسم ويؤثر على الإنتاج.

وأضاف: ينتقل مرض الجدري عن طريق الحشرات الثاقبة الماصة (الذباب والبعوض) ويتم التحصين ضد هذا المرض عن طريق التلقيح بلقاح جدري الأغنام المستضعف، ولفت سلطان بأنه يجب رفع درجة الوعي لدى المربين بضرورة الاستجابة لحملات التلقيح ووضع المناخل على أبواب وشبابيك الحظائر  التي تحمي الأبقار من الحشرات وفي حال الإصابة بهذا المرض يجب عزل الحيوانات المصابة عن غيرها كما يجب الرش بمبيدات حشرية مناسبة في الحظائر بشكل دوري كذلك إعطاء الحيوانات خافضات حرارة ومضادات التهاب وتقديم أعلاف مناسبة كماً ونوعاً وتوفير الفيتامينات وخاصة فيتامين A بالإضافة إلى إعطائها محلول سكري كعلاج داعم لها.

ونوه إلى أن مديرية الزراعة تواصل حملات الرش بشكل دائم ومستمر ففي المرحلة الأولى تم رش المناطق الحدودية بين القرداحة وجبلة والقرى المتاخمة لمحافظة حماة بالإضافة إلى حملة رش عامة على الحظائر الموجودة في المنطقة كل حظيرة على حدة،  حيث يتم الرش بمرش ضبابي بمبيد خاص يضاف ١٢٠ سم منها لكل ١٠ لتر مازوت والحملة مستمرة  إلى الآن.

كما ذكر الدكتور باسم بركات رئيس شعبة الصحة الحيوانية في دائرة زراعة القرداحة بأن تمكن المرض من جسم البقرة يعود لضعف مناعتها وقلة مقاومتها للفيروس وأشار أن نسبة الإصابة بالمرض في غرشادية القرداحة بحدود الـ ٥٠٪ ونسبة الشفاء تتجاوز الـ ٧٠٪ منها  مؤكداً أن نسبة النفوق تتراوح بين ١٠ و١٥ ٪ لافتاً إلى ضرورة إعطاء البقرة خلال الإصابة رافعات جهد غنية بالفيتامينات بالإضافة إلى خافضات حرارة ومضادات تحسس مع ضرورة التعقيم المستمر للإصابة وضرورة تعقيم البايكة ورشها بالمبيدات الحشرية المناسبة، ونوه إلى ضرورة إعلام السلطات الصحية البيطرية في حال الاشتباه بحدوث المرض أو حدوث نفوق للأبقار والاستفسار منهم عن كيفية التخلص الفني الصحي من الأبقار النافقة ومخلفاتها حرصاً على عدم حدوث كارثة بيئية مع التأكيد على ضرورة استخدام اليود في تعقيم العقد المفتوحة لدى الحيوانات المصابة وأكد أخيراً على ضرورة فصل الحيوانات المصابة عن الحيوانات السليمة في حظائر مغطاة لمنع دخول الحشرات إليها.

وأخيراً، لا توصف الكلمات مدى حزن وألم المربي الذي جلس يتأمل رزقه وهو يتلاشى من بين يديه دون أن يستطيع تقديم أي شيء يفيده لاعناً هذا الحصار العالمي على بلاده والذي مُنع بسببه دخول الأدوية المناسبة والعلاجات التي كانت من الممكن أن تساهم في إنقاذ بقراته من شر هذا الوباء، ونضم صوتنا إلى أصوات المربين متمنين من المعنيين بالثروة الحيوانية إيجاد الطريقة المناسبة لتعويض المربي الذي خسر رزقه وماله وجهد سنين متواصلة دون ذنب منه وتقديم الدعم والمساعدة الممكنة له ليعود من جديد إلى سوق العمل.

سناء ديب


طباعة   البريد الإلكتروني