مرض جدري الأبقار ... هل خرج عن السيطرة رغم كل الإجراءات؟

الوحدة 28-6-2020

 

وصل مرض انتشار جدري الأبقار إلى مرحلة متقدمة بحيث لا تخلو قرية ولا مزرعة تتواجد فيها أبقار إلا وهناك إصابات، والإصابات ذاتها متفاوتة بين القابل للعلاج والمتقدم القاتل للبقرة، وتعدى ذلك إلى نفوق بعض الأبقار نتيجة هذا المرض  في أماكن كثيرة.

ولإيضاح وإلقاء الضوء على هذه المشكلة تواصلنا مع جهات عديدة في الزراعة والصحة الحيوانية وكانت آراء الأطباء البيطريين أجوبة شافية لتساؤلاتنا حول المرض ومصدره وكيفية علاجه والتعاطي معه والواقع الحالي للوباء إن صحت التسمية.

بداية شرح المهندس الزراعي أحمد محمد رئيس دائرة زراعة جبلة الإجراءات التي اتخذتها مديرية الزراعة لمعالجة المرض والحد من انتشاره فقال:

يقتصر دورنا حالياً على الحد من الانتشار للمرض، فقد قمنا ونقوم بالتعاون مع الوحدات الإرشادية بعمليات الرش والتعقيم ضد الحشرات (ذبابة الناعور والبعوض) والعوامل الناقلة للمرض، كما تم تزويد الصحة الحيوانية بمرشات وأواثر رذاذية وضبابية، لكن المربين أحياناً يتجاهلون اتخاذ الإجراءات المطلوبة في إزالة الروث بشكل مستمر وعملية الرش وعزل البقرة المصابة والتواصل مع الطبيب المعالج في حال حدوث إصابة.

في وحدة الدالية الإرشادية قال الفني البيطري سامر شاهين: نقوم حسب تعليمات مديرية الزراعة بالتعقيم ورش المبيدات بشكل دوري حول البايكة  والمزابل للقضاء على العامل الناقل للمرض وعزل الزرائب بمنخل منعاً لدخول الحشرات والذباب بأنواعه، كما وتعالج الإصابات بخوافض الحرارة ورافع المناعة وقد تراجعت نسبة النفوق بين الأبقار بعد تنفيذ خطة العلاج و إجراءاته ولا تتعدى 2% والإصابة نوعان: داخلية حشوية وهذه قاتلة لا يمكن علاجها وخارجية يمكن السيطرة على أعراضها من خلال خطة العلاج التي يتم بموجبها مراقبة البقرة وإعطاؤها رافع المناعة والصاد الحيوي النوعي لنسيطر على الإصابة التي تستمر لمدة تتراوح ما بين 15-20 يوماً وهناك نسبة 90% من الإصابات تم شفاؤها لكن الشفاء الكامل يكاد يكون مستحيلاً لأن هذا المرض فيروسي لا علاج كامل له في مجال عمل الوحدة الإرشادية بالدالية كان هناك ما يقارب 500 رأس لكن العد في تناقص مستمر بسبب خوف المربين من الوقوع في خسارة أبقارهم في حال إصابتها فعمدوا إلى بيعها وترك هذه المصلحة (حسب قولهم).

في الوحدة الإرشادية بالسخابة قال الدكتور مصطفى عبد الحميد: في مجال عمل وحدتنا الإرشادية حوالى 220 رأساً، تراجع العدد مؤخراً إلى أقل من النصف نتيجة خوف المربين من الخسارة وتنسيق البعض لأبقارهم عبر بيعها (للقصابة واللحم) وفي هذا الخصوص أكد أنه إذا كانت الإصابة متقدمة ومتفشية فأخلاقياً وصحياً لا يجوز بيعها كلحم للمستهلك لكن للأسف الجميع يتهرب من الخسارة إذ من المفروض والحال هذه أن تحرق وتدفن البقرة أو تردم لا أن تباع كلحم للمستهلك، فمجرد ظهور أعراض الحرارة أو الاشتباه ببداية الجدري يخاف المربي ويبيع كون سعر البقرة يتجاوز 4ملايين ليرة وبهذه الحالة لا يمكن أن نفرض على المربي المتابعة بالعلاج أو الاستمرار بالتربية لأنه فقير ومعدم أحياناً واضطر لتربية الأبقار من أجل الفائدة والحصول على مردود مادي لذلك يبيع بأي طريقة للحامين هروباً من الخسارة، وهذا بالطبع أيضاً أثّر على كمية الحليب في السوق وإن كان ارتفاع سعر الأعلاف  والتبن بغض النظر عن الصيدلي والأدوية والعلاج والخدمة عاملاً رئيسياً وراء ارتفاع سعر الحليب وكل المشتقات وبالمناسب وكي نكون منصفين يجب أن يكون والحال هذه سعر كيلو الحليب 600 ليرة ليغطي المربي تكاليفه.

وحول مصدر الفيروس والإصابة قال الدكتور عبد الحميد: بداية المرض كانت منذ أربع سنوات في منطقة الغاب تحديداً فهي كانت البؤرة الأساسية وهذه المنطقة يتم إدخال أبقار إليها تهريباً من تركيا تكون مصابة إما عن طريق الحشرات أو بطريقة العلاج أو التاجر الذي يهرب لتنتقل بعد ذلك إلى كل المحافظات وصارت لدينا إصابات كامنة وعندما نفذت الزراعة اللقاح ضد الحمى القلاعية أو الجدري

فقد انكسرت المناعة عند الأبقار وارتفعت حرارتها تماماً كما يحدث عندما نعطي طفلاً اللقاح تكسر مناعته وترتفع حرارته وهكذا الأبقار فإن كانت هناك أمراض كامنة وخفية غير ظاهرة بأعراض خفية فإن هذه الأمراض تتنشط وتتطور واللقاح الذي نفذ منذ فترة ضد الحمى القلاعية كان صحياً وصحيحاً 100%  ولكن عندما لقحت كل الأبقار فالبقرة الحاملة لإصابة نفرت وصارت تنتقل لغيرها.

وعن طرق الانتشار أضاف عبد الحميد: طرق الانتشار كثيرة منها أخطاء بطرق العلاج والتجار والطبيب المعالج (من بقرة لأخرى) والحشرات الماصة ونقل الأبقار من منطقة لأخرى كل ذلك على مدى أربع سنوات وكل ذلك بعد اللقاح، وحول هذه النقطة استوضحنا من الطبيب  فردّ:

أنا طبيب بيطري مضطر أن أعمل ليوم كامل في تلقيح الأبقار أحتاج لكمية محروقات لسيارتي لا يستهان بها تأتي على راتبي بأكمله كي أتجول على كل المربين ضمن نطاق عملي وكل ذلك على حسابي الخاص بدون أي تعويض من أي جهة إضافة لأنني أدفع ثمن (السيرنغ) مع رأسه حوالى 400 ليرة ومن الممكن أن أحتاج بالجولة اليومية ما يزيد عن 50 سيرنغاً وبهكذا وضع أحتاج لأربعة أضعاف راتبي.

المربون الذين يوفرون السيرنغ وفروا علينا وعلى أنفسهم وصرنا مؤخراً بعد انتشار المرض ننبههم إلى توفيره مع المحقن من أجل الوقاية، لكن للأسف هذا المرض يشبه الكورونا من حيث تطوير نفسه وحالاته فلا يقف عند مرحلة معينة ففي مصياف وصافيتا وطرطوس يطور نفسه المرض بشكل كارثي كبير ففي كل منطقة نرى حالات أصعب من قبل حتى بتنا نشك بأن الأمر مخطط ومدبر لتدمير ثروتنا الحيوانية، في السابق كنا نرى كتلاً بجسم البقرة أما مؤخراً فصار يضرب الأحشاء ويتفجر كخراجات وعندما يضرب عضواً معيناً يبدأ هذا العضو بالتساقط والانسلاخ عما يحيطه كالثدي مثلاً لذلك فنحن نعاني من وباء والوضع كارثي بكل ماتعني الكلمة.

الدكتور سامر عباس الوحدة الإرشادية بالأشرفية حول المرض قال: تقريباً كل الأبقار مصابة أو شبه مصابة لكن الأبقار التي تتلقى العلاج بشكل جيد وتأخذ المناعة لمدة ثلاث سنوات  تنجو 95% .

وحول مساحة الأمان في تناول الحليب من بقرة مصابة وتأخذ الأدوية قال: بهذه الحالة الحليب لا يتحول تلقائياً إلى لبن وبالتالي يحول إلى جبنة والمربي هنا كي لا يخسر الحليب يحوله إلى جبنة، وتناول الجبنة يعتبر آمناً وليس ضاراً وفي مجال عمل الوحدة الإرشادية عندنا 725 رأساً فيها 70% إصابة خفيفة والباقي إصابات خطيرة  وهناك 13 حالة نفوق وتنسيق (بيع).

وبالعودة إلى بعض المربين للوقوف على الواقع المرير الذي يعانون منه التقينا السيد مضر الخطيب الذي قال: كانت لدي أربع بقرات مصابة عالجتها شفيت ثلاث وماتت واحدة وكلفني العلاج 300 ألف ليرة.

المربي عماد يوسف الراهبية: لدي سبع إصابات عالجتها على حسابي الخاص لم تقدم لي الزراعة أي شيء فقط منذ شهر ضخوا ورشوا لي البايكة كل دفعة علاج تكلفني 40 -50 ألف ليرة إضافة لغلاء الأسعار بكل شيء.

المربي عمار عيسى كنكارو: كانت لدي بقرتان وعجلة كلها مريضة عالجت أول بقرة لمدة عشرين يوماً بكلفة 150 ألف ليرة والثانية لمدة 10 أيام بكلفة 70 ألفاً والعجلة بعمر أربعة أشهر أعالجها الآن منذ أسبوع، أنا وضعي أفضل من غيري بكثير كوني أعطي البقرة الأبر واللقاح وخافض الحرارة والكمادات بنفسي لذلك أوفر على نفسي الكثير، لكنني بعت عجلين بخسارة كبيرة خوفاً من المرض، ومنذ شهر ذهبنا إلى الوحدة الإرشادية لنسجل الإصابات لكنهم رفضوا التسجيل لنا لكن مؤخراً استجابوا، ومؤخراً انقطعت المحاقن وعانينا في الحصول عليها توجد الأدوية لكن لا توجد محاقن، عند جيراني إصابات كثيرة وقد باعوا وخسروا مبالغ طائلة جراء ذلك  في قرية بسنه ماتت بقرتان مؤخراً وفي بتمانا هناك كوارث  نتيجة نفوق أبقار كثيرة.

ختاماً... نرى تطابقاً بين أقوال المربين والأطباء من حيث الإصابات الكثيرة والخسائر الكبيرة التي يتعرض لها المربون والانتشار الكارثي لهذا المرض كما لن نغفل المرارة التي طغت على أحاديثهم وتعابير التحسر على التعب والرزق مع خيبتهم من جولة الوفد الوزاري مؤخراً والتي رفض فيها وزير الزراعة إطلاق مصطلح (كارثي) على وضع المربين ربما من أجل التهرب من التعويض على المربين أو لأسباب نجهلها، والحالة العامة المحزنة لما يتعرض له قطيع الأبقار.

آمنة يوسف


طباعة   البريد الإلكتروني