ووصل البلّ إلى ذقون أصحاب المعاصر أيضاً!

الوحدة 21-6-2020

 

استبشر أصحاب معاصر الزيتون في محافظة اللاذقية بموسم واعد، ولكن عوامل الطبيعة بخرت أحلامهم، وقالت كلمتها الأخيرة، فقضت على معظم الموسم، وحولته إلى أثر بعد عين.

كانت الأمور مبشرة، وأشجار الزيتون تكتسي بفستان من زهر، إلا أن تقلبات الطقس الغريبة أدت إلى تساقط تسعين بالمئة من زهر الزيتون قبل أن تبلغ مرحلة العقد، وبات التفكير الإيجابي بنتاج الموسم شبه معدوم، لتتكرر مسألة المعاومة، وتنتفي معها إمكانية العمل الحقيقي لموسمين متتالين.

كثيرون من أصحاب المعاصر قرروا ألا يفتتحوا معاصرهم هذا العام، فبحسبة بسيطة لتكلفة الإقلاع بالعمل والنتيجة المتوقعة، يفضل هؤلاء عدم خوض التجربة التي تشبه المغامرة غير محسوبة العواقب في ظل الارتفاع الجنوني لتكاليف الصيانة، وغياب لوازمها إثر توقف استيراد قطع التبديل وتعذر الحصول عليها في ظل الحصار والعقوبات الاقتصادية المفروضة علينا.

يقول أصحاب المعاصر: مرت سنوات ومازال بدل الخدمات (الأجور) على حاله رغم ارتفاع أسعار كل شيء في البلد، فالجهة المعنية ترفض أن ترفع الأجور، وتعتبر أصحاب المعاصر من خارج المعادلة المعيشية، فيغيب عن ذهنها أن هذه الآلات تحتاج إلى صيانات كبيرة مع مطلع كل موسم وأثنائه، وتتجاهل أن الألوف تحولت إلى مئات الألوف، ومئات الألوف باتت ملايين بعد الحرب الاقتصادية، وما قد يجنيه صاحب المعصرة في موسمه قد يضيع نصفه أو ثلثيه على درب الصيانة، فهذه المهنة لا تشبه غيرها لأنها موسمية (كل عامين)، وما قد تخسره قبل الموسم وأثناءه لا يمكن تعويضه، لأن الموسم لا ينتظر، ومن يتعطل عن العمل لأيام، سيجد نفسه خارج المعادلة، وسيطير موسمه إلى موسم لاحق إن كتب له السلامة.

يقول أحدهم: أجريت حساباً سريعاً لتكلفة الصيانة قبل هذا الموسم الضعيف، فوجدت أن المسألة تحتاج إلى ملايين قبل أن أعلن الجاهزية، وعطفت عليها أجور العمال، والأعطال الافتراضية، وتكلفة ترحيل مياه الجفت المرعبة، وكله تمت مقارنته بما يقد ينتج عن الموسم، فوجدت أن عدم افتتاح المعصرة، والمكوث في المنزل، أكل كلفة بعشرات المرات، فكان القرار الحاسم بعدم المغامرة، والحفاظ على بعض المدخرات، كيلا أقع تحت العجز، وأضطر للاستدانة من هنا وهناك.

ويقول آخر: نحن مضروبون بحجر كبير، والحقيقة عكس ذلك تماماً، فنحن لا ننكر أن الدخل أثناء الموسم يكون جيداً، ولكن المصاريف هائلة ولا تقبل التقتير، وليس بإمكاننا أن نعمل بطريقة الترقيع، لأن هذه الآلات حساسة، وأي قصور في عملها، سينعكس سلباً على عملية الإنتاج.

ويقول ثالث: في الحالة الطبيعية نحن متروكون لمصيرنا، ولا جمعية حرفية تطالب لنا بحقوقنا، فتاجر الزيت يتحكم بالسعر، ويشتري نتاج الموسم على هواه، وتاجر التمز يضع السعر المناسب له، وهو من يقرر، ويفرض رأيه بلا أي ضابط أو معيار، وتأتي مؤسسات الدولة المعنية لتفرض علينا أعباء لا قدرة لنا على تحملها، كترحيل مياه الجفت على حسابنا، وتأمين الديزل من السوق السوداء بأسعار خيالية، فتتحول المسألة إلى واجبات بلا حقوق، ونكرر سؤالنا عليهم: ماذا تقدمون لنا كي تفرضوا علينا مالا طاقة لنا به؟.

وقال رابعهم: أجريت حساباً لتكلفة الصيانة على خط الإنتاج الذي تعب بسبب عمره الطويل، فوجدت أنني بحاجة إلى خمسة ملايين على الأقل لأكون جاهزاً، وأضفت إليها ثمن الديزل، وأجور العمال، وإطعامهم، وافترضت أنني سأنتج ١٠٠طن في مجمل الموسم، فكانت النتيجة أنني خاسر بالمطلق في ظل الأجور المحددة من قبل دوائر حماية المستهلك، وبناء عليه كان قراري بتأجيل الهمّ إلى الموسم القادم، لعل الأمور تتحسن، وأصرف هذه التكاليف على بينة من أمري.

وأضاف قائلاً: نحن نعرف أن وضع المزارع حرج، ولا يستطيع تحمل أعباء إضافية، فنصف موسمه يذهب كأجرة قطاف وتقليم وحراثة، ونصفه الآخر يباع بثمن زهيد، في حين يغني زيت دوار الشمس على كيفيه وخاطره، ويُدعم مستورده بأموال المصرف المركزي، ولا أحد يلتفت إلى المحصول (الاستراتيجي) القادر على إغناء المستهلك عن أي زيوت أخرى، ولا حل لإنصاف هذه المادة إلا بدعم المنتج، بدءا من المزارع حتى أصحاب المعاصر، فعندما تشعر الحلقة الكاملة بالأمان، سترفع من سوية عملها، وتحسن من أدائها.

آخر المتحدثين كان مزارعاُ، وصاحب معصرة زيتون، فلخص لنا القضية برمتها قائلا:

تقدر قيمة أرضي وخطي الإنتاجي بعشرات الملايين، وفي موسم ضعيف كهذا قد لا أجني منهما قرشاً واحداً، وإن فكرت باحتياجات الأرض وخط الإنتاج، سأصاب بالصداع، فنحن لا نُلحظ بأي عين مسؤولة، ولا يأتينا ممن يُعتبرون مسؤولين عن القطاع الزراعي والصناعي سوى الإرشادات غير القابلة للتنفيذ، فلو فكر أصحاب الشعارات دعم مزارع الزيتون، وحلقة العمل ككل، لانتفت المعاومة، وتحول المنتج إلى ثروة وطنية حقيقية، ودائما يتراود إلى أذهاننا أسئلة لا نجد لها أجوبة، فعندنا نسمع عن أن زيت الزيتون محصول استراتيجي، نظن أن تسويقه سيكون بالعملة الصعبة، وعندما ينتهي الموسم، يكسد المحصول (الاستراتيجي) في خزاناتنا، ونبحث بضوء الشموع عمن يشتريه، ويرفع عنا همه، لدرجة أصبحنا فيها نشعر أن المعاومة حكمة إلهية فحواها: أنتم لا تقدرون هذا الكنز الغذائي، والاقتصادي، فيكفيكم موسماً واحداً كل عامين.

نحن بحاجة إلى ما يجعلنا نعمل في كل الظروف، فعندنا نُدعم بمحولات كهربائية، سنستغني عن الديزل، وعندما نطلب قرضاً لصيانة خطوطنا الإنتاجية، يجب أن نلقى تسهيلات كبيرة وحسومات من الفوائد، كما نحتاج بالدرجة الأولى إلى دعم أسعار الزيت كي لا يشعر المزارع بالغبن عندما نطالب برفع الأجور.

 غيث حسن


طباعة   البريد الإلكتروني