انقسام الصيادين حول قرار التحول من المياه الدولية إلى الإقليمية

العدد: 9555
الأثنين : 23 آذار 2020

 

تعتبر مهنة الصيد البحري من أقدم المهن الساحلية وعلى مر الزمان، ولا يزال الصياد يعمل يوماً بيوم، باستثناء من خرج من عباءة الصيد، وامتلك المراكب والمعدات الحديثة، وأصبح تاجراً ورب عمل لمئات الصيادين, ومن خلال استطلاعنا لمشكلات الصيد والصيادين في اللاذقية وجدنا أنه بالإضافة إلى صعوبات العمل الكيرة التي منها ما هو قديم قدم المهنة ومنها ما هو جديد وطارئ أفرزته ظروف الحرب إلا أنه ثمة سمة أساسية يتصف بها مجتمع الصيادين وهي عدم انسجامهم فيما بينهم كجماعات, ومن خلال الجهات والأشخاص الذين التقتهم الوحدة لاستكمال هذا الملف لم يتفق اثنان على رأي إيجابي تجاه الآخر, وربما يكون هذا الشعور العدائي فيما بينهم أحد أهم أسباب تراجع هذه المهنة والعاملين فيها وحتى الثروة السمكية لتناقص حصة الفرد السوري من الأسماك حتى تكاد تكون حوالي كيلو غرام واحد سنوياً في حين تصل إلى عشر كغ في العديد من الدول البحرية.

مراكـب الدراســة البحثيــة تجرف حتى البيـــوض

أســـعار الأســماك تحكمهـــا ظــــروف الحـــــرب

 

بحجة الدراسة البحثية
بداية لابد من الإشارة إلى تعدد الجهات ذات الصلة بهذه المهنة والتي يفترض أن يخضع الصياد لقراراتها وهو يرى (أي الصياد) أن بعض هذه القرارات لا يصب في مصلحته ولا في مصلحة الثروة السمكية عموماً، وهنا نبدأ بحديث رئيس جمعية الصيادين في اللاذقية نبيل فحام الذي فنّد العديد من القرارات الصادرة عن الهيئة العامة للثروة السمكية ووزارة الزراعة واعتبرها تتضمن الكثير من الثغرات التي تنعكس سلباً على عمل الصياد، وتؤدي إلى تراجع الثروة السمكية، ورأى أن معظم هذه القرارات تصدر عن أشخاص سمحت لهم مواقعهم الوظيفية باتخاذها، ولكن خبرتهم العملية في البحر والأسماك والصيد لا تؤهلهم لذلك، وقد بدأ بالإشارة إلى ما يسمى بالدراسة البحثية التي تقوم بها مراكب الهيئة العامة للثروة السمكية من صيد في قاع البحر، وأكد أنها تحولت من بحث ودراسة إلى صيد جائر وتجارة واستغلال، ولفت إلى أن مراكب الجرف القاعي تضر بالثروة السمكية والحياة البحرية عموماً، كما أن الساحل السوري عموماً لا يحتمل هنا أن هذا النوع من الصيد بسبب قرب الرصيف القاري من الشاطئ، وأنه في حال استمر الوضع على ما هو عليه سيؤدي ذلك إلى تصحر المياه الاقليمية لدينا، يذكر أن التحذيرات من مخاطر الجرف القاعي عمرها سنوات، والجميع يدرك مخاطر هذا النوع من الصيد، وما يسببه من تدمير وتفتيت للبيئة الصخرية الشاطئية، إلى جانب استنزاف الثروة السمكية، والقضاء على بيوض الأسماك، وفي الوقت الذي يفترض أن تتراجع هذه الظاهرة تزداد ومن قبل الجهة المخولة بحماية الثروة السمكية وسن التشريعات اللازمة لها، وذلك تحت مسمى الدراسة البحثية، والكلام لا يزال لرئيس جمعية الصيادين في اللاذقية الذي لم يوفر أحداً، حيث أكد البحر فيه الكثير من الخيرات، ولكن هناك أناساً يستغلون هذا الخير لأنفسهم فقط، ويحرمون الآخرين، مشيراً إلى استمرار الصيد بالديناميت رغم قرارات المنع من قبل المديرية العامة للموانئ ودوريات المتابعة، ولكن الظاهرة لا تزال على حالها إن لم تكن أكثر.
من الدولية إلى الإقليمية
قد يكون ما أشرنا إليه ليس وليد الساعة، وإنما يعود لسنوات، ولكن جديد عام 2020 للصيادين هو قرار السماح لقوارب الصيد الدولي في العمل في المياه الإقليمية لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد، وقد اعتبر رئيس جمعية الصيادين هذا القرار مجحفاً بحق الصيادين الصغار والمراكب الصغيرة والمياه الإقليمية والثروة السمكية على حد سواء, حيث يرى أن المراكب الكبيرة المجهزة للعمل في المياه الدولية لديها معدات حديثة، ويمكنها سحب كل الأسماك المتواجدة في المياه الإقليمية ولن يتبقى سوى النذر اليسير للمراكب الصغيرة والبسيطة, وأضاف أن صيد هذه المراكب يصل إلى كميات كبيرة، الأمر الذي يستطيع صاحب هذه المركب تخفيض سعر السمك ولكن الصياد الصغير لا يمكنه ذلك لأنه إن فعل فلن يحصل على تكلفة صيده وقوت يومه، وتساءل لماذا لا يتم فرض ضرائب على المراكب الكبيرة أسوة بأي منشأة صناعية أو تجارية, وفي تفاصيل قرار التحول بهذه المراكب من المياه الدولية إلى المياه الإقليمية, نذكر أن الصيادين العاملين في المياه الدولية قد تقدموا بشكوى مفادها أنهم يتعرضون للخطر والمنع من الصيد في المياه الدولية بسبب ظروف الأزمة والحرب لاسيما من الجانب التركي وبناء عليه فقد طالبوا بالتحول إلى الصيد في المياه الإقليمية ريثما تتحسن الظروف ويعودون إلى العمل في المياه الدولية وقد عقدت اجتماعات لبحث هذا الموضوع بحضور الجهات ذات الصلة من المديرية العامة للموانئ والهيئة العامة للثروة السمكية ونقابة عمال النقل البحري وجمعيات الصيادين في كل من جبلة وطرطوس, وقد تم رفض الطلب في البداية، وأنهم كانوا مع ضرورة عملهم في المياه الدولية، وذلك من منطلق أنه كلما كان عدد المراكب المسجلة للعمل في المياه الدولية أكبر كان للدولة مكتسبات أكثر في تلك المياه وفقاً للقانون الدولي ولكن أمام معاناة هؤلاء الصيادين، وتعرضهم للخطر، ومن منطلق ضرورة تأمين عمل لهم بعد أن توقفوا عن الصيد في المياه الدولية بسبب الظروف القاهرة، ورغم يقين كافة الجهات أن المياه الإقليمية لا تتحمل دخول المراكب العاملة في المياه الدولية للصيد فيها، حيث ستؤدي إلى زيادة الصيد الأمر الذي يؤثر بشكل سلبي على المخزون السمكي في المياه الإقليمية, ولكن كما أشرنا كان لابد مما لا بد منه حيث تم السماح لهم بالعمل لفترة مؤقتة ضمن المياه الإقليمية، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بالقوانين والقرارات المتعلقة بالصيد، وتؤكد المديرية العامة للموانئ أنه سيتم قمع كل المخالفات، واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها في حال حصولها، وتم السماح لهم بالعمل لمدة ستة أشهر، على أن يتم النظر في وضعهم بعدها، إما بالعودة للعمل في المياه الدولية في حال إمكانية ذلك، أو التمديد لهم لفترة إضافية ضمن المياه الإقليمية وفق الشروط المتعلقة بكل وسيلة من وسائل الصيد, وقد أوضح المهندس إسماعيل نداف مدير الأملاك البحرية في مديرية الرخص والصيد أنه تم السماح لمراكب الصيد الجارف بالعمل بنفس الشروط المطبقة على المراكب العاملة في الجرف وفق الدراسة العلمية التي تجريها الهيئة حالياً لا سيما العمل في المنطقة B من تاريخ الموافقة ولغاية 31/1/2020 بعدها تم الانتقال للعمل في المنطقة C من 1/2 ولغاية 15/4/2020 ثم التوقف خلال فترة منع الصيد من 16/4 ولغاية 31/8 من نفس العام والصيد على مسافة عند الشاطئ لا تقل (6) أميال وعمق لا يقل عن 250م على أن تبدأ عملية الصيد من الشروق وتنتهي عند الغروب من نفس اليوم على تكون المراكب في ميناء الصيد بعد ساعة من الغروب بالنسبة للمنطقة B وبعد ساعة ونصف من الغروب في المنطقة C والالتزام بالكوريدور البحري للوصول إلى مناطق الصيد المحددة أثناء الذهاب والعودة والتقيد بفتحات الشبك 25مم.
أما بالنسبة للمراكب العاملة بالشنشيلا فيتم العمل فيها وفق الشروط الواردة في القرار 53/ت/ لعام 2003 الناظم للعمل بواسطة شباك الشنيشلا وذلك بالصيد على أعماق لا تقل عن 40 متراً بالنسبة للشباك الكبيرة التي يتراوح ارتفاعها بين 50-100 متراً ولا تقل عن 25 متراً بالنسبة للشباك الصغيرة التي يقل ارتفاع شباكها عن 50 متراً شريطة عدم ملامسة الشبكة القاع بأي حال من الأحوال ويحدد وقت العمل من الغروب وحتى شروق الشمس أما بالنسبة لموسم منع الصيد فيتم الالتزام بالفترة المحددة بمحضر الاجتماع رقم 1995 تاريخ 8/3/2019 وذلك من 15/3 ولغاية 15/4 ومن 16/7 ولغاية 15/8 من كل عام ما تقدم ذكره كان حول المراكب الكبيرة عموماً.
وبما أننا نتحدث عن فترات المنع كان لابد من الإشارة أن الصيد بالشبك الثابت مسموح به طول العام مع التأكيد على فتحات الشبك حيث تم السماح حالياً بفتحات (20) ملم وكذلك الأمر بالنسبة لصيد الجرجيرة فهو مسموح به طول العام, أما صيد الأقفاص فهو حصري بالزوارق وفترة السماح تبدأ 1/6 وتنتهي 31/10 من كل عام, والمديرية العامة للموانئ تقوم بتنفيذ ومتابعة قرارات الهيئة العامة للثروة السمكية ووزارة الزراعة وهي ليست جهة تشريعية وإنما رقابية تضبط المخالفات.
أسعار متقلبة
في المديرية العامة للموانئ التقينا آصف ديوب أحد المتابعين لمشكلات الصيادين وقد أبدى تعاطفه مع مشكلاتهم ولفت إلى أنهم حصلوا على موافقة من المحافظ للحصول على مساعدات من الهلال الأحمر ولكن أحداً منهم لم يستفد من هذه المساعدات رغم حاجة أغلبهم لهذه المساعدة كما التقينا بأحد الصيادين في مكتبه وقد عبر عن سروره لعدم قدوم أسماك مستوردة لأنها كانت ستنعكس على أسعار السمك المحلي, وهكذا نجد أن الصياد يهمه أن تظل أسعار السمك المحلي مرتفعة ليزداد دخله, ولا يرغب بدخول المراكب الكبيرة على الخط رغم أنها تؤدي إلى وفرة السمك وانخفاض سعره ولو قليلاً وعلى المدى البعيد قد تؤثر سلباً على الثروة السمكية.
شروط تحددها جهة وتتابعها جهة ويبقى السمك في البحر ينتظر الصياد والصياد يبحث عن رزقه بين الأمواج البحرية وموجات القرارات والتقلبات السياسية والاقتصادية.

هلال لالا

 

 

 


طباعة   البريد الإلكتروني