الكاريكاتــير... المبالغــة مــن أجــل الســـخرية

العدد: 9415

الخميس 29-8-2019


الكاريكاتير لغة عالمية سهلة الفهم والوصول للمتلقي من كل بني البشر، وفعالة أكثر من المقالات الطويلة، وتختصر اللغات العالمية جميعها بلغة واحدة بسيطة، وهو فن يعكس معنى الحياة والطبيعة والأرض والخصوبة والجمال والمحبة والحرب على الإرهاب، والكاريكاتير كلمة مشتقة من كلمة لاتينية تعني (المبالغة من أجل السخرية) برسومات تتميز بنبرة ساخرة ساخطة متجهمة نحو تصاعدية تعبّر عن فظاعة هذا العالم المسرحي العبثي المفتوح على بشاعة الحياة وآلامها وجنونها.. صموئيل بيكيت صاحب السوداوية في التفكير تحدث عن عواء الأزهار قائلاً: (أنا الذي بحثت طويلاً عن زهرة في فم الغراب).
الكاريكاتير ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لمخاطبة الإنسانية، يحمل رسائل ثقافية وفنية وخدمية ومجتمعية ووطنية، والتحويرات الكاريكاتورية ترتبط غالباً بمضمون فكري يناقش قضايا تمس القارئ والمجتمع والوطن من مختلف الجوانب كتصوير واقع الحرب وأعمال التخريب والموت والفقر والظلم والفساد وحماية البيئة.
الكاريكاتير فن يحمل إمكانيات جمالية متجددة، ومازال متوالداً متعاظماً ويتصدر الفنون بإيقاعه المملوء بالسخرية المرة المولودة من عمق المعاناة البشرية، ويعتمد على السخرية والظرافة واللقطة اللافتة جارحة كانت أم مضيئة والمفارقة المحضة بغرائبيتها ولا معقوليتها التي ترصد الواقع الاجتماعي وتعيد إنتاجه وتقديمه اعتماداً على الخيال التي تثير في نفس قارئها تحدياً فكرياً أو جمالياً، وله طابعه وأدواته، حيث تكون السخرية وجهاً آخر للهموم والآلام بمفارقات وأحداث غنية تحمل الماضي والحاضر والمستقبل وتصوير الأشياء على نحو يناقض طبيعتها لتبدو مضحكة أو مستحيلة، كتشبيه العولمة بالشباك العنكبوتي الذي أحاط بالبشر.
الكاريكاتير لغة عالمية يبرز إبداع الفنان فيها في تقديم المفارقة التي تضمن حصول الابتسامة بأن يدخل أموراً غير معقولة ولا تخطر على بال، وهذه المفارقة تشد القارئ وتلفت انتباهه، وإن بساطة الفكرة هو سر العمق الذي تتجلى به، والفنان يعالج مشاهداته لحياة الناس وحركة المجتمع بشكل فني يعتمد على الخطوط البسيطة والفكرة الساخرة ويربط بين المفارقة الواقعية والمفارقة المبتكرة من الخيال، وجعل الخيال يعكس الواقع، يترك الفنان لخياله العنان ليرسم ما يدركه العقل بدلاً من الاقتصار على ما تدركه العين فترى في خياله خيلاً تجري وصليلاً وغباراً ونجوماً تتهاوى، يرسم الأشياء كما يشاهدها في عالم الرؤى والأحلام بأوضاعها الرمزية الغامضة أو إدماج اللاواقعية بالواقع، وكأن المشاهد تناديه وتجره إليها بحبال لا يراها، وكما يقول روجيه غارودي: (الفنان يلتهم العالم بأنامله).
يقال: إن قابيل أول من رسم الكاريكاتير ولكن ليس على الورق، وإنما من خلال تلك الحركات التي كان يقلد بها أخاه هابيل حيث كان يبالغ في التقليد وذلك من أجل السخرية والهزء بأخيه، وأول لوحة كاريكاتورية موثقة رسمت هي تلك التي تمثل طائراً يصعد على شجرة بواسطة السلم وكانت مرسومة منذ 5 آلاف سنة على ورق البردي في مصر.

 نعمان إبراهيم حميشة


طباعة   البريد الإلكتروني