على طــــــــريق إعــــادة الإعمـــــار «5»...حتى لا تكـــــــــــــــون غـــــــــــــــاية العـــــــــــــلم وظيـــــــــــــفة ...الإيمان بقدرات الشـّـــــباب مطلـــــــــــوب وإفساح الفضـــــاء لإبداعهم ضروري

العدد: 9342

8-5-2019


يتعالى السوريون على جراحاتهم، يطوون آلامهم جانباً، يرفعون شعار بناء سورية الجديدة لتعود بلادنا أجمل وأبهى في حلتها الجديدة، عروس حضارة وسلام كما كانت عبر سيرورة التاريخ في كل حين، وفي ظل مرحلة إعادة الإعمار نحن بأمس الحاجة إلى عناصر القوة الذاتية، الاستراتيجية التي تدفع بعربة مرحلة البناء الشاملة نحو الأمام قدماً بلا تلكؤ ولا هوادة، وهنا حري بنا أن نقف ملياً أمام جيل الشباب الذي يشكل بطبيعة الحال الرافعة الحقيقية لمرحلة إعادة الإعمار، الآن وفي المستقبل القريب، نقف بعين الفحص والتفنيد لتفاصيل عالية الدقة أمام واقع شبابنا الأعزاء، نحاول مقاربة أمزجتهم وأفكارهم، طموحاتهم ومشاكلهم، خسرنا منهم الكثير بفعل الهجرة، طاقات شبابية لا تقدر بثمن اغتربت خارج الوطن بفعل الحرب الظالمة على سورية الغالية، كنا بأمس الحاجة إليها في مرحلة الإعمار هذه، طاقات وإمكانيات وخبرات يشهد لها القاصي والداني، في رحلة سبر أغوار الشخصية الشبابية تنجلي أمامنا الحقيقة، تمنحنا خارطة طريق، تعالج - ما أمكن- مشكلاتهم، لنخفف من شجونهم وهواجسهم، نحقق لهم العدالة من حيث فرص العمل في جو مريح يثمن عالياً قدراتهم، ولا ننسى هنا تسخير كل الوسائل الممكنة لنشر الوعي والإدراك بحيثيات ومتطلبات مرحلة الإعمار بما يخص بشكل لصيق شريحة الشباب، لتكوين رأي عام جمعي لديهم يبلور أهداف المرحلة في مزاج ملؤه الثقة بالحاضر والمستقبل، الأمر الذي يلغي إلى حد كبير ميول الهجرة عند البعض، فبشارة سورية الغد المشرقة تشحذ عند الشباب عالي الهمم النابعة من روح وطنية عالية، كعادة السوري عبر كل العصور، فيمضي بكل ثقة وطمأنينة نحو الأمام، يرفع القواعد من البيت بكل ما أوتي من الشكيمة القوية التي لا تلين.

توقفنا مطولاً عند اختياراتنا وبدأنا من نتاجات الأزمة وسؤال متبادر بشكل دائم إلى أذهاننا، خاصة عند سؤالنا:

هل الهجرة حلٌّ؟
م. مهران عيسى مغترب منذ أربع سنوات بدأ حديثه: الهجرة ليست حلّاً، فكما لا يستطيع الإنسان أن يبعد عن رَحِمه، هكذا انتماؤك لبلدك، ليس له تفسير أو رؤيا، لكنّه شعور لا يندمل، الغربة ليست حلّاً، ولكنها كالدمع إذا فاضت الروح في جسم ما نتيجة حزن ضخم تخرج الدمعة من عينيك، هكذا هي الغربة، وتابع قائلاً: من المؤكد أني لم أسافر إلا هرباً من الأوضاع المادية السيئة، لم أرث من والدي إلا ما علمني إياه وشهادة علمية، لم تكن أسباب هجرتي كبقية من هاجروا، فأنا وحيد، الجزء المادي هو الأكثر صعوبة، درسنا وتعبنا لنلاقي أن سقف طموحاتنا كان الراتب من وظيفة قد تحصل عليها وقد لا تحصل، بداية لدي مأخذ على عبارة إعادة الإعمار تقصدون أن نعمر ما انهدم من مبان وبنى تحتية، أم اكتشاف مجتمعنا؟ لنأخذ تجربة ألمانيا، خسرت أكبر حربين في حياة الشعوب لكنها لم تخسر مجتمعها. من أين سننطلق من إعادة بناء الإنسان وتقوية بنيان المجتمع أم من الحجر وإعادة ما تهدم وهنا إشكالية كبيرة !
من المفترض بداية إعادة الإعمار كخطوة أولى أن يصبح الشباب جزءاً من مؤسسات الدولة وأن تكون فكرة الشباب هي من سترسم استراتيجيات الوطن، فالمنطق يقول لا يصح أن يكون المشرف على إعادة الإعمار شخصاً لا يليق بهذه الفترة من الحداثة، وأن يحكم على أفكار غيره من خلال الندية، فشعور الشاب أن قيمته بنتاجه وإنتاجاته في عمله وليست بنفوذيته وأن يأخذ قيمته الإنتاجية ليعيش بكرامة، بمعنى أن نلبي حاجاته الأساسية وهنا لا نقصد بحاجاته الأساسية القدرة على الحياة بالحد الأدنى (وليس الخبز والسكر) وإنما حياة كريمة، فالعقل السوري ناتج عن مجموع بشري هائل عمره آلاف السنين، لنأخذ أفكارهم على محمل الجد وأن تكون قوانين ناظمة لحياتهم في مؤسسات تحميهم كمؤسسات التأهيل المهنية في ألمانيا لنستفيد منها، فمنذ أن يصبح عمره ١٦عاماً ولا يملك رؤية لدراسات عليا ينتسب إلى ما يسمى التأهيل المهني وهو يجمع بين يومين عمل وثلاثة أيام في شركة بأجور مخفضة وخبرة كبيرة، شبابنا اليوم يعيشون حالة إحباط، فهم في وضع البلاد كلاعبين مهرة على دكة الاحتياط يؤجل المدرب نزلوهم إلى الملعب حتى الدقائق الأخيرة، وفي هذه الدقائق ليس بإمكانهم أن يقوموا بأي شيء لتعديل النتيجة، سيملكون القوة عندما نقوم بتأطير المزاج لأنهم في حالة تغيير وتجدد دائمين، وإذا قمنا بقولبتهم سنقتلهم، ونقتل معهم الإبداع.
مشاريع فردية
* د . إياد حاتم منسق برنامج المتميزين - الميكاترونيكس:
للأسف لا توجد الآن مشاريع منظمة تستهدف شريحة الشباب المتعلم وتستفيد من إمكانياتهم، وكما نعلم فسوق العمل وخاصة الخاص قد ضعف في فترة الأزمة مما أثر على وتيرة استقطاب الشباب، وما نجده الآن مشاريع فردية قليلة مثل شركات البرمجيات الصغيرة التي تعمل كوكيل من الدرجة الثانية لشركات برمجيات كبيرة خارج القطر وهي تستفيد ممن بقي من المبرمجين الشباب وتؤمن لهم مردواً مادياً جيداً مقارنة بالمردود المحلي، ومما نلحظه حالياً ليس هناك أي برامج تشغيل موجهة للشباب وآخر مشروع من هذا النوع قامت به الهيئة العامة للتشغيل وتنمية المشروعات التي تتبع لوزارة الاقتصاد والتجارة الداخلية كان عام 2012.
مستقبل غامض
وتابع د . إياد: لا يمكن التحدث عن الشباب في هذه الفترة دون إغفال الضغوط النفسية التي يتعرض لها هذه الشريحة من المجتمع منذ بدء الأزمة، أهم ضاغط يمكننا الحديث عنه هو الغموض حول المستقبل والذي يمنع الشباب من التفكير والتخطيط بشكل سليم، والملجأ الوحيد لهم هو التفكير بالهجرة والذي أصبح خياراً صعب التحقيق، لابد ّمن استراتيجيات تقنع الشباب بالبقاء من المهم مساعدتهم في التفكير بالمستقبل ووضع استراتيجيات تقنع الشباب بأهمية تواجدهم ومساهمتهم في المرحلة القادمة التي تمثل مرحلة إعادة الإعمار، ومن الأهمية تكوين مجالس شبابية مع إعطائها صلاحيات للتخطيط والتفكير بالمستقبل بمساعدة خبراء استشاريين في هذا المجال.
وللأسف الشطارة أهم عناوين ثقافة العمل هناك الكثير من العيوب في مجتمعنا والتي ترسخت في ثقافة العمل لدينا، فأن تحصل على وظيفة بدون أن تعمل أو تداوم هي (شطارة) بالنسبة للكثير، وبالنسبة للشريحة الجادة التي تحب العمل فإنها تصطدم بمشكلة عدم وجود معايير شفافة واضحة تقيّم عملهم وتعطيهم حقهم وتميزهم عن تلك الشريحة، وحاجتنا إليهم كعنصر أساسي في البناء، يحتاجون إلى رسائل تزيد من ثقتهم بقدرتهم على بناء وإعمار البلد وتبين الحاجة اليهم كعنصر أساسي لا غنى عنه في مسيرة الإعمار، يجب أن تُدعم هذه الرسائل بمشاريع وقرارات قانونية وتشريعية تثبت جدية هذه الرسائل وتعطي للشباب الحافز اللازم لدفعهم باتجاه المشاركة في هذه المشاريع، طالما لا يوجد بديل لهذه الوظيفة ستبقى الهدف المنشود للكثير من الشباب، وإن خلق فرص منافسة وتحفيزية لعمل الشباب خارج الوظيفة هو الحل الوحيد، فتشجيع إنشاء المشاريع الصغيرة وتمويلها قد يكون أحد العوامل الأساسية في تحفيز الشباب لتوظيف إبداعاتهم بالمكان الصحيح وبالطريقة الصحيحة.
59% من شبابنا عاطل عن العمل!
شادي حسن عضو جمعية العلوم الاقتصادية: نسبة البطالة في سورية تصل إلى أكثر من الـ59 % حسب نتائج المسح الأخير للقوى العاملة في ظل ظروف صعبة تعيشها البلد منذ أكثر من تسع سنوات هذا بلا شك نتاج طبيعي ومتوقع بعد توقف خطوط الإنتاج في غالبية المشاريع الإنتاجية الصناعية منها والزراعية وخروج حقول النفط والغاز عن السيطرة ولكن هذا ليس عذراً لواضعي السياسات الاقتصادية لتبرير فشلهم في إيجاد الحلول المناسبة للعاطلين عن العمل خاصة الشباب وأن هناك بدائل ممكنة لو توفرت الإدارة الناجحة، أما ما هو المطلوب بالخطط القادمة؟
سؤال يجب أن يكون حاضراً بقوة على سلم أولويات المرحلة القادمة المليئة بالتحديات، هل سنشهد انكماش فرص العمل التي ساهمت في هجرة الكثير من الكوادر الشبابية صاحبة الكفاءات التي لملمت بقايا أحلامها وطموحاتها بحثاً عن مناخ مناسب يقدّر قيمتها بدلاً من تهميشها لدرجة الإقصاء وزيادة نسبة تهجير الشباب السوري..
المهدئات ومضادات اكتئاب
د. ريم حرفوش :من الملاحظ ازدياد عدد حالات الاكتئاب واضطرابات المزاج والإدمان بين الشباب السوري بسبب الضغط النفسي الناتج عن عدم استقرار الأمن والاقتصاد والوضع المعيشي والمهني، ولقد زادت حالات الإدمان على المهدئات والحشيش والانترنت كوسيلة للهروب من الواقع المحيط بهم، وزاد الطلب في السنوات الأخيرة على المهدئات ومضادات الاكتئاب مع زيارة العديد منهم للأطباء النفسيين رغم قلتهم في سورية، وفي استبيان مشروع تخرج في كلية الصيدلة جامعة الأندلس أجري مؤخراً تم استبيان 100 صيدلاني في الساحل السوري (اللاذقية وطرطوس) لاحظ 81٪ من الصيادلة المستجوبين زيادة صرف المهدئات و 78٪ منهم أجابوا بازدياد صرف مضادات الاكتئاب خلال سنوات الأزمة الأخيرة، ومن الجدير بالذكر بحسب البحث أن الذكور أكثر استهلاكاً لهذه الأدوية من الإناث، أما الرسالة التي أرغب بإيصالها أن الإبداع يولد من عمق المعاناة وهذا ما لاحظناه من العديد من الشباب السوري داخل وخارج سورية الذين أبدعوا في عدة مجالات علمية وفنية ورياضية ورفعوا اسم البلد عاليا ولم يستلموا لظروف الحرب والخوف والألم والتعاسة، يجب علينا الاستعانة بوسائل بديلة عن الأدوية والإدمان لمواجهة الواقع تمهيداً لتغيير نحو الأفضل ومنها الرياضة والموسيقى والتأمل والتواصل الفعال بين البشر الذي يخلق جسور الحب والتفاهم ويلغي الخوف والشعور بالعجز.
المستقبل المضمون مرهون بالواقع الجديد
أ. أوس علي دبلوم تأهيل تربوي، قسم الفلسفة: اليوم وبعد تسع سنوات من الحرب لا يمكن الحديث عن أي شيء يخص الشباب دون لحظ لآثار تلك الحرب الغاشمة التي أرخت ظلالها على كل تفاصيل حياة السوريين لا سيما الشباب الذي يعد اليوم ركيزة أساسية من ركائز الحرب ضد سورية حيث كان تخريب عقول الشباب وإفراغها من حماسها وتحويلها إلى قوة جوفاء من أهم أهداف تلك الحرب هذا من جهة ومن جهة أخرى كان الشباب هم معقد الأمل في مواجهة هذه الحرب فهم من يشكلون النسبة العظمى من عناصر الجيش، لقد فقد الشباب أغلى ما يملكون، فمنهم من فقد حياته ومنهم من فقد عضواً ومنهم من أضاع أهم سنوات حياته في ظل هذا الواقع كان فقدان الأمل نتيجة طبيعية للأوضاع الراهنة فصورة المستقبل ضبابية في أذهان الشباب، فالمستقبل المضمون مرهون بالواقع الجيد، وكلما كان الواقع جيداً كانت صورة المستقبل أوضح والوقت الذي أنفقه الشباب في هذه الحرب، كان من المفترض أن ينفقه في اكتساب خبرات ومعارف تطور من قدراته الفكرية والعملية التي تشكل حجر الزاوية في بناء مستقبله، وبسبب ما فقده الشباب السوري تسلل الإحباط والخوف من الغد الى تفكيره فلم يعد من الصعب ملاحظة ذلك سلوكه وتصرفاته وأصبحت فكرة الهجرة في أعلى قائمة الحلول، حتى الجيل الجديد الذي لا يزال صغيراً نسبياً، فلم يسلم أيضاً فقد خسر ما خسر وأصبح يرى نفسه فيمن سبقوه ويستنسخ مشاكلهم وليس من الغريب أن يفكر في نفس حلولهم.
الحاجة إلى مشروع وطني محوره الشباب
أما عن كيفية تحصين الشباب وإغلاق باب الهجرة قال الأستاذ أوس: فكرة هجرة الشباب ليست جديدة فهي قديمة تحركها الرغبة في تكوين حياة أفضل في بلدان متطورة اقتصادياً وعلمياً، تلك الدول تقدم إغراءات للشباب لاستقطاب الكفاءات العلمية والمهنية ولكن هذه الهجرة تضاعفت في الفترة الأخيرة نتيجة الحرب التي ساهمت في تكوين صورة قاتمة عن المستقبل في عقول الشباب، فالحرب أرخت بظلالها على كل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية فتصور الشباب عن المستقبل محصور في فكرتين إما أن يلتحق في صفوف الجيش أو أن ينتهي إلى عاطل عن العمل في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة ولا يمكن القضاء على ظاهرة الهجرة أو التقليل منها دون العمل على تصحيح أفكار الشباب حول المستقبل وتوعية الشباب إلى أهمية الارتباط بالوطن والعمل من أجله عن طريق مشروع وطني يكون محوره الشباب بالإضافة الى تأطير الشباب في منظمات ترعى شؤونهم وتوجه طاقاتهم وتنمّي الملكات الفكرية خارج إطار المدارس والجامعات هذا على الصعيد الفكري، وبالمقابل لابد من القيام بخطوات ملموسة على أرض الواقع تحسن الواقع الاقتصادي مثل تشكيل وزارة جديدة تحت مسمى وزارة الشباب تعمل على تهيئة البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي تساعد على توسيع سوق العمل ليستوعب كافة القوى الشابة بحيث توظف طاقاتها وذلك عن طريق تطوير قانون استثمار يراعي قدرات الشباب وتأمين مستلزمات المشاريع الصغيرة من قروض مالية ودورات تساهم في تعميق الخبرات لديهم.
لا تفكر نحن نفكر عنك
سومر حمودي: هل يقف شبابنا جميعاً أمام معيار الكفاءة أم المسألة خيار وفقوس ونفوذ؟ بالتأكيد ومن وحي تجاربي المسألة خيار وفقوس ولا خيار سوى الدفع أو المحسوبيات وكاد سؤال: من يقف وراءك هو الأشهر، غياب معيار الكفاءة هو السبب في بقاء المؤسسات الحكومية مكانك راوح وإن وُجِد الموظف الكفوء فهو مقيد أو يديره من هو أقل معرفة وكفاءة، ونلاحظ انعدام الثقة بين الحكومة والمواطنين لأن الفساد في ازدياد وقد أعلن على المصداقية الحداد، وأضحت فئة الشباب ضحية ما بين الهجرة بحثاً لاعن فسحة أمل للمستقبل يقي من هلاك الحاضر المرهون بلهاث لقمة العيش لا أكثر حيث لا استقرار لا يوجد أي رسالة ثقافية أو سياسية تعطي شعاع نور بأن هناك حلولاً لمشاكل جيل أصبح إما تحت التراب أو بالاغتراب أو على الهامش، لا تغامر فأي خطأ ستحرق ورقتك لن تستطيع التغيير فأنت رهن منظومة تقودها قوانين غير قابلة للتعديل أو التبديل، لا تفكر نحن نفكر عنك، وظيفة هي مصدر عيش لا أكثر لأنك مقيد والإبداع والحرية متلازمان خلاصة القول الواقع متقوقع بقوقعة الخوف المتنامي.
خطط استراتيجية متعددة المراحل التطويرية
م. كرم غزال: على الرغم من السنين العجاف التي مرت على بلدنا الحبيب سورية وكثرة الدمار والخراب التي حلت علينا نتيجة الحرب التي عصفت بنا في الفترة الأخيرة توجهت الأنظار وعلقت الآمال على الشباب وخاصة الطبقة المثقفة منهم للنهوض وتغيير الواقع كيف لا وعماد البناء والإعمار في أي بلد حول العالم هم نخبة شبابها من مهندسين وأطباء وحرفيين كل منهم يشارك في عملية البناء والتطوير بحسب مجاله وبالرغم من غنى بلدنا بهذه الطبقة من المجتمع لكننا بالمجمل لا نستفيد إلا من قليل إنجازات هذه الطبقة بسبب ضعف الإمكانيات المتاحة وقلة المستثمرين لتلك المشاريع الساعية للنهوض بنا ويعود ذلك لعدة أسباب منها قلة ثقة سوق العمل بكفاءة وجودة المشاريع ذات التصميم والإنتاج والتطبيق المحلي وهذه المشكلة لا بد لنا من السعي لحلها عبر دعم أفكار هذه المشاريع منذ بداية تطبيقها وانتهاء بإدخالها سوق العمل وإنتاجها بشكل يلائم حاجة المجتمع لها، هذا الدعم يجب أن يتم أولاً من قبل تطبيق الحكومة لخطط استراتيجية متعددة المراحل بهدف حقن أفكار الشباب التطويرية في المجتمع مع إعطائهم الخبرة اللازمة لاقتحام سوق العمل بمشاريعهم ذات الكفاءة الكبيرة أسوة بما فعلته حكومات الدول الغربية بعد نكبات أعظم من النكبة التي أصابت بلادنا، فاليابان وألمانيا والهند أكبر الأمثلة على ذلك كل هذه الدول نهضت بهمة وعزيمة أبنائها بعد أن انهارت بالكامل، وها هي الآن أصبحت دولاً نووية، هذه الخطط يجب أن تبدأ أولاً بتدريب الشباب وتشغيله ضمن مجال ونطاق عمله عدة أعوام لاكتساب الخبرة اللازمة وتكوين الشخصية المنتجة الواثقة من دقة وحرفية إنتاجها ودعهما بالكامل من خلال استثمارها بما يخدم المرحلة المقبلة عليها البلاد من إعادة الإعمار، أما ثانياً فيجب على الحكومة دراسة وضع تجنيد خريجي الجامعات وخاصة خريجي الكليات الهندسية، كون الخدمة الإلزامية هي الدافع الرئيسي للتفكير في الهجرة وكم رأينا من أمثلة كثيرة عن تبني الحكومات الغربية لمشاريع بعض الشباب السوري الذي هاجر إليهم، وهنا نقطة جوهرية ودليل دامغ يثبت أن العقول والخبرات الموجودة في البلد لا تقل جودة وكفاءة عن تلك الموجودة عند الغرب لكن سياسات استثمار هذه العقول غير ممنهجة بشكل يسمح بالاستفادة منها هنا، ولا تقتصر مساعي الحكومة على هذه الإجراءات فقط بل يجب عليها توزيع المكافآت وفق معايير معينة بحيث تتناسب هذه المكافأة مع كفاءة الأفكار والمشاريع المطروحة لكي تشكل حافزاً إضافياً للإبداع والتطوير كما يجب على المسؤولين إقامة الندوات والمؤتمرات للوقوف على المشاكل التي تعرقل الإبداع ومحاولة معالجتها، هذه الكوادر لطالما شكلت فرقاً كبيراً في مستوى الرقي والتطور بين البلدان المختلفة لذلك يجب المحافظة عليها وعدم التفريط بها بل واستثمارها لأقصى درجة ممكنة بعيداً عن السعي لتدمير طموحها من خلال تقييدها بالوظائف ذات الطابع الروتيني الممل القاتل لحس وتفعيل دور الرقابة بشكل أكبر ضماناً لوصول الأشخاص المناسبين.
مشاريع وإمكانيات
م. يحيى غريب الخريج الأول في الهندسة المدنية الجيوتكنية: برأيي إن جيل الشباب يستعمل في حياته اليومية تكنولوجيا حديثة لم تتوفر لدى الأجيال السابقة، ومن هذا المنطلق فإن المشاريع التي تحتاج لتوظيف إمكانيات تقنية حديثة والقيام بالأبحاث الحديثة هي الأكثر ملائمة لجيل الشباب، ويجب اختبار كل فرد من هذا الجيل لمعرفة إمكانية وكمية الاعتماد عليه في العمل الذي سينسب إليه وعليه يتم تحديد المهام لكل فرد من الجيل الشاب ومن خلال التجارب الشخصية التي مر بها العديد من زملائي وأصدقائي المتخرجين حديثاً، لم يكن هناك توظيف فعلي مباشر بعد التخرج ضمن اختصاصاتهم فقام العديد منهم بالبحث عن عمل خارج مجال دراستهم (العمل كبائع أو نادل أو محاسب أو..... أي يقومون بأعمال لا تمس مجال دراستهم بصلة) بانتظار الفرز الذي يصدر عادة بعد سنة من التخرج، وهذا ما جعل شبابنا حسب اعتقادي الشخصي واعتماداً على العديد من المحادثات التي سبق وقمت بها مع أصدقائي حالتهم المزاجية سيئة لدى الكثير منهم، فالأغلبية يشعرون بالاكتئاب خاصة بسبب عدم وجود فرصة عمل بعد التخرج مباشرة، وحتى أن بعض المهندسين الذين تم فرزهم يشكون من العمل الروتيني وعدم وجود صلة بين طبيعة الوظيفة التي تم فرزهم إليها بمجال دراستهم، ولابد من حلّ عن طريق تأمين فرص عمل بشكل مباشر بعد التخرج وأن تكون ذات مردود مادي معقول ويحاكي الظروف الاقتصادية بما فيها من ارتفاع الأسعار، بالإضافة لتحسين المستوى العلمي ضمن الجامعات فالعديد من الطلبة يطمح للسفر بغرض الدراسة بجامعات مكانتها العلمية متقدمة، فعند الارتقاء بالمستوى العلمي بشكل عام سيختفي هذا الدافع لدى الكثير من الشباب، أما إذا كان الشخص ذا كفاءة عالية فستكون كفاءته هي السبب الرئيسي في تفضيله عن غيره،أما رسائلنا الشخصية فيجب تفعيل دور الرقابة بشكل أكبر لضمان وصول الفرص للأشخاص المناسبين لها لأنه في أغلب الأحيان يكون دور النقابة منيّماً، ويجب تطوير الإعلام في سورية بشكل عام فهو أهم وسيلة لنشر الوعي والثقافة ولتوجيه فكر الشباب وتغيير طريقة تفكيره وخاصة حول موضوع الوظيفة وهل هي سقف الإبداع بعض الوظائف تكون بعيدة كل البعد عن التخصص الأكاديمي الحقيقي للموظف فتحدّ من إبداعه بشكل عام، وبعضها تكون أعمالها روتينية فيكون الإبداع فيها محدوداً، ولكن الإبداع بالإجمال هو موضوع فردي، فيجب على كل شخص العمل على تطوير ذاته والبحث بشكل دائم عن كل جديد لضمان استمرارية تطوير الذات.
مخرجات ترفد المجتمع بأسباب التنمية
د. محمد علي جامعة طرطوس: الشباب وإعادة الإعمار تركت الحرب التي عانى منها مجتمعنا السوري آثاراً سلبية غائرة في الوجدان الشعبي، ولا سيما عند جيل الشباب الذي نشأ في ظل هذه الحرب، فصارت الهجرة سبيلاً للخروج من هذا الواقع لدى بعضهم، وانكفأ بعضهم الآخر على ذاته منتظراً الفرصة لتحقيق طموحه ضمن عمل يضمن كرامته الاجتماعية والاقتصادية، وقد حال واقع الحرب دون الاستفادة من مخرجات الجامعات السورية في رفد المجتمع بأسباب التنمية الشاملة، وخاصة مع تنامي أعداد الخريجين بالتوازي مع قلة فرص العمل، ومن هنا تبرز الحاجة إلى سياسة استراتيجية ذات أبعاد متعددة تُعيد للشباب دورهم الفعّال، وتمنحهم فرصة المشاركة الحقيقية في إعادة الإعمار على المستويات كافة، وينبغي لهذه السياسة أن تراعي جملة من القضايا الراهنة التي تعيق عملية إعادة إعمار الشباب، بدءاً من النظام التعليمي الذي يحتاج إلى رؤية جديدة تواكب متغيرات العصر، وصولاً إلى استيعاب الشباب المتعلّم ضمن سوق عمل متنوع وداعم للتخصص، فقد أثبت الشاب السوري قدرته على الإبداع والتميّز، وتحتضن معظم عواصم العالم المتقدّم نماذج مشرقة لشباب سوريين استطاعوا إثبات جدارتهم العلمية والعملية، إن الحاجة الملحّة لتفعيل دور الشباب تبدأ من الثقة بإمكانات هذا الجيل في بناء الحاضر، وتزويده بالدعم المعنوي والمادي في سبيل تعزيز طاقاته، وربط حاجات سوق العمل بالاختصاصات الجامعية على نحو علمي مدروس، واعتماد مبدأ تكافؤ الفرص بشكل حقيقي يضمن حقوق هذا الجيل في قيادة المجتمع نحو التطور المنشود، ورعاية المتميزين والموهوبين بما يسهم في تنمية قدراتهم وتوظيفها في خدمة الوطن وتقدّمه، وتبقى الخطوات السابقة وغيرها قاصرة عن النهوض الحقيقي بواقع الشباب إذا لم تترافق مع تنمية اقتصادية شاملة، فالاقتصاد هو عصب الحياة، ومع وجود اقتصاد قوي ومتنوع نستطيع الانطلاق نحو مستقبل يجد فيه الشاب المجال الحيوي لأفكاره وإبداعه، وحينذاك تنتفي العلاقة السلبية التي تحكم معظم الشباب بين العلم والعمل، فمعظم شبابنا يربط بين العلم والعمل بطريقة آلية تجعل من الشهادة الجامعية وسيلة لوظيفة حكومية أو خاصة تضمن له أبسط أشكال العيش الكريم لا أكثر، وعلى هذا الأساس يصبح الحصول على هذه الشهادة بأي طريقة كانت هو الهدف المنشود للشباب، بصرف النظر عن إمكانية الاستفادة منها ضمن الاختصاص المطلوب، وتزخر مؤسساتنا الحكومية بجيش من المهندسين – على سبيل المثال – الذين لا يعملون ضمن اختصاصهم الجامعي، ومع مرور الزمن يغدو العلم الذي يتلقاه الشاب ضامراً أمام سعيه وراء لقمة العيش، وتضيع بذلك الغاية الأساسية للعلم.
إن خلق جيل شاب واعٍ ومفيد مسؤولية جماعية، ومن دونه سنبقى ندور في حلقة مفرغة دون فاعلية إنتاجية أو حضارية، وعليه ينبغي إعادة إعمار الشباب بوصفهم الفئة الغالبة في المجتمع، والقادرة على بنائه، والانطلاق به نحو مستقبل مشرق.

نور محمد حاتم

 


طباعة   البريد الإلكتروني