الراتـــــــب .. نرجمه كل صبـاح وهو الملاذ الوحـــــيد للقســــم الأكـــــبر منـّا

العدد: 9308

10-3-2019

 

 

غــانــم مــحــمــد

معظمهم قابل السؤال بالسخرية والتندّر، والبعض الآخر اعتبره «مزحة غليظة» إلا من بكى فأبكى مفردات جوابه..
الراتب، هذا «الفقيد» لا أحد يترحّم عليه، رغم الحزن الشديد على تخليه عن قيمته ما شكّل نوعاً مؤثراً من الغياب وهو الموجود والذي لم يغب يوماً عن فاتحة كلّ شهر، تذكّرنا به الأقساط والزحمة على الصرّافات والتزام الموظفين بدوامهم، وفي حالات نادرة رائحة بعض الشواء «قوانص، أو ليّة، وبأحسن الحالات جوانح»!
نزّل الراتب.. هي الكلمة التي تنتشر انتشار النار في الهشيم، ينتظرها الجميع ما بين الأيام الثلاثة الأخيرة من الشهر وبداية الشهر الجديد، وما أن تدبّ في الأسماع حتى يتسابق الموظفون إلى أقــــــرب كوّة صــــــرّاف آلي..
في الأشهر الأولى من 2011 كان وسطيّ الرواتب من 20-30 ألف ليرة سورية أي بين 500-700 دولار تقريباً، وكقيمة شرائية مقارنة بأي سلعة فقد تراجع الراتب بنسبة 1000% أي عشرة أمثال، ليكون الراتب حالياً وفق نفس المسطرة من 50-70 دولار فقط..
مثلي مثلكم، راتبي يلفظ أنفاسه خلال 72 ساعة، ولكن ثمة حقائق لابد من توضيحها قبل أن نتابع في هذا الخصوص..
نستعرض على شكل متفرقات مراسيم الزيادة على الرواتب، ومراسيم الإعفاءات التي يفترض أن تنعكس إيجابياً على الواقع المعيشي وبعدها ليحكم كلّ منّا بطريقته على الواقع وليحدد المسؤولية أين تقع وعلى من؟
الراتب همّ حين يأتي وهمٌّ إذا تأخّر، نرجمه كل صباح وهو الملاذ الوحيد للقسم الأكبر منّا، سنقلّبه بطريقة مختلفة بعد أن نبسطه على طبق هموم الناس اليومي..

فــــــــوق المـــــــــوتة..

تتبدد كل اللهف لقبض الراتب حين ترى تلك الحشود أمام الصرافات الآلية، لكن حاجتك الماسة لما تبقّى من هذا الراتب تدفعك للصمود والانتظار، وأسوأ ما في القصّة أن مواقف سلبية كثيرة تحدث دون مراعاة لمشاعر الموجودين كالخروج على «الأدب» في بعض الأحيان، أو تحضر «الفظاظة» عندما يُخرج أحدهم عدداً من البطاقات لبقية أهله أو بعض أصدقائه وهات يا انتظار ويا تذمّر!
أما من قطع مسافة طويلة، وربما جاء من أحد الأرياف واستقبلته هذه العبارة «عذراً الجهاز خارج الخدمة» فإن مصيبته من نوع آخر، وعليه أن يبدأ رحلة بحث جديدة حتى يجنّب نفسه زيارة مماثلة في اليوم التالي..
المعاناة نفسها تنطبق على المتقاعدين أيضاً رغم تخصيص أيام محددة لهم لكن انتظارهم أصعب من انتظار غيرهم!

 

الحمـــــــد لله لسـتُ موظّــــفاً
السيد عبد الله السباكة اختصر هو الآخر فقال: الحمد لله لست موظفاً، فقد تحوّلت الوظيفة بسبب الراتب «نقمة» ومع هذا ما إن يُعلن عن مسابقة حتى تتقاطر الأفواج إلى منافذ التقدّم لها!
من لم يجد وظيفة بحث عن البديل، والبعض وجد هذا البديل، وشاب صغير لم يبلغ سنّ الرشد قد تكون أجرته في مطعم للوجبات السريعة ثلاثة آلاف ليرة في اليوم ويحصّل شهرياً ما يقارب المائة ألف ليرة سورية، في حين راتب جامعي على أبواب التقاعد «40» ألف ليرة، ربما لهذا يحمدون الله أنّهم ليسوا موظفين!
مفارقات كثيرة لا نرسو معها على برّ ولا نعرف كيف نوافق بين جزئياتها أو كيف نعبر ممراتها!

 

أعتـبره همـّــــــاً ثقــــــيلاً أو ضيــــــفاً قليل الذوق

أنيســــــــــة عبــــــــــــود

لم تقل أكثر مما ذكرناه في العنوان، لكن عندما تختصره أديبة بقيمة السيدة أنيسة عبود فإنها تفتح بذلك باباً ونوافذ للقراءة..
الراتب «همّ ثقيل»، وقد يستغرب البعض ذلك، هو همّ لأننا نعلّق عليه كل تفاصيل حياتنا ولأننا «مُرجمون» به، فما أن يعلم «الجمع» أن الراتب أصبح في جيبنا حتى ينصب لنا كمائنه، ويتصيّد خطواتنا، وماذا سيكفي هذا الراتب؟
أو «ضيفاً» قليل الذوق، لأنه يأتينا بكلّ تفاصيل «الدونية» لا للسيف ولا للضيف ولا لـ «غدرات الزمان»..
أديبتنا الكبيرة أنيسة عبود، شكراً لك، أما الراتب فهو سفينة النجاة الوحيدة حتى لو كانت مثقوبة أو بلا أشرعة!

 

شـــــيبس ومشــــــتقاته.

يتحدّثون عن أضراره، يشكون طريقة عرضه وبيعه، يشتمون من سمح بتواجده بين أيدي أطفالنا، ومع هذا يحتلّ 50% من موجودات أي ندوة مدرسية!

ما علاقة الشيبس بالراتب أيضاً؟
أسوأ أنواعه يباع بـ100 ليرة في الندوات المدرسية، والرجاء لا أحد يقاطعني بالحديث عن دوريات حماية المستهلك ولا عن عدد الضبوط المسجلة، فكلّ ذلك ضحك على اللحى..
الأساس بالموضوع هو المبالغ الكبيرة التي تُستثمر بها الندوات المدرسية والتي تكون سبباً معلناً لمضاعفة سعر أي مادة مقارنة بسعرها خارج المدارس، أما الأسباب الأكثر إقناعاً فهي الجشع الذي يلتقي عنده مستثمر الندوة مع أحد ما في المدرسة، واللامبالاة تجاه صحة أولنا، وبعض الإجراءات التي تجبر التلاميذ على الشراء من هذه الندوات كمنع اصطحاب «سندوشات البيت» تحت حجج مختلفة..
من لديه 2-3 أولاد في المدرسة فإنه مطالب بإنفاق 20-25 بالمائة من راتبه مصروف جيب لأولاده!

 

المشــــــــكلة هنا...

 

لا بارك الله في كلّ مراكزنا البحثية الزراعية إن عجزنا عن إنتاج بذار البندورة والخيار والكوسا والبطاطا..

ولا بارك الله بكلّ «الرسائل الجامعية» وورشات العمل التي تأخذ عناوين برّاقة وتبقى نتائجها حبيسة الأدراج..
نحن بلد زراعي فهل من المعقول أن نستورد القسم الأكبر من مستلزمات الإنتاج الزراعي ونبقى بعيدين عن إنتاجها..
نركب هذه المقدمة لنعود إلى الراتب.. لو توفّرت مستلزمات الإنتاج محلياً وبأسعار مناسبة لطالبنا بقمع الأسعار الجنونية للخضراوات المنتجة محلياً ولكان بإمكان راتبنا أن يتحمّل تفاصيل بطوننا بأبسط صورها من بطاطا سعرها الآن «500 ليرة» وبندورة وبصل يماثلانها بالسعر وقسْ على ذلك..
ما يقال عن الخضراوات يقال عن الفروج والبيض واللحم وكله إنتاج محلي لكن بأسعار المستورد من المريخ!

 

بين الزيادات.. والإعفاءات
رقمياً.. توالت الزيادات على الرواتب خلال سنوات الأزمة لتتجاوز 100%، ورافقت الزيادات على الرواتب والأجور مراسيم تتضمن إعفاءات من رسوم استيراد ومن رسوم ترخيص لمنشآت ولحرفيين وغير ذلك..
نظرياً.. كان من المفترض أن تُحدث هذه الإجراءات تغييرات جذرية لصالح المواطن فلماذا لم يحدث ذلك؟
الحرفيّ الذي أعفيَ من رسوم المنشأة أو ترخيصها وغير ذلك لماذا لم «يخرّج» هذا المبلغ من تكاليف الإنتاج ما ينعكس تخفيضاً على سعر السلعة التي ينتجها؟
والمستورد الذي أُعفيَ من رسوم الإدخال هل أعفيَ من أجل أن يضع «الوفر» في جيبه أم من أجل أن يقدّم مستورداته بسعر أقلّ؟
نعرف الأجوبة، ولكن كما نقول دائماً: المشكلة ليست بالتشريعات وإنما بالتطبيق، وحتى يكون التطبيق صائباً يبدو أننا نحتاج هيئة رقابة فوق رأس كلّ معنيّ بالأمر!

 

المراســـيم 40 و41 و42 لعـــام 2011

في 19 نيسان 2011 أصدر السيد الرئيس بشار الأسد المرسوم التشريعي رقم «40» للعام 2011 القاضي بزيادة الرواتب والأجور الشهرية المقطوعة بمبلغ قدره 1500 ليرة للراتب المقطوع يضاف إليها زيادة قدرها 30 بالمئة من الرواتب والأجور المقطوعة دون الـ10000 ليرة شهرياً وزيارة قدرها 20 بالمئة من الراتب أو الأجر الشهري المقطوع والبالغ 10000 ليرة فما فوق، ومرسوم بمنح أصحاب المعاشات التقاعدية من العسكريين والمدنيين مبلغا قدره1500 ليرة يضاف إليها زيادة قدرها25% كما أصدر الرئيس الأسد المرسوم التشريعي رقم «41» القاضي بمنح أصحاب المعاشات التقاعدية من العسكريين والمدنيين مبلغاً قدره 1500 ليرة سورية يضاف إليها زيادة قدرها 25بالمئة.
كما أصدر الرئيس الأسد المرسوم التشريعي رقم 42 للعام 2011 القاضي بتعديل معدل الضريبة على الرواتب والأجور ورفع الحد الأدنى المعفى من الضريبة من الدخل الصافي إلى 10000 ليرة.

 

المرســــــوم 38 لعـــــــــام 2013
تضاف إلى الرواتب والأجور الشهرية المقطوعة النافذة بتاريخ صدور هذا المرسوم التشريعي لكل من العاملين المدنيين والعسكريين في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة وشركات ومنشآت القطاع العام والبلديات ووحدات الإدارة المحلية والعمل الشعبي والشركات والمنشآت المصادرة والمدارس الخاصة المستولى عليها استيلاء نهائياً وما في حكمها وسائر جهات القطاع العام وكذلك جهات القطاع المشترك التي لا تقل مساهمة الدولة عن 75 بالمئة من رأس مالها زيادة وفق الآتي:
أ- 40 بالمئة على 10000 ليرة سورية الأولى من الراتب أو الأجر الشهري المقطوع.
ب- 20 بالمئة على 10000 ليرة سورية الثانية من الراتب أو الأجر الشهري المقطوع.
ج- 10 بالمئة على 10000 ليرة سورية الثالثة من الراتب أو الأجر الشهري المقطوع.
د- 5 بالمئة على ما يزيد عن 10000 ليرة سورية الثالثة من الراتب أو الأجر الشهري المقطوع.

 

المرسومان 41و42 لعــــــــام 2015
أصدر السيد الرئيس بشار الأسد المرسوم التشريعي رقم 41 لعام 2015 القاضي بإضافة مبلغ قدره 2500 ليرة سورية فقط إلى الرواتب والأجور الشهرية المقطوعة النافذة بتاريخ صدور هذا المرسوم لكل من العاملين المدنيين والعسكريين في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة وشركات ومنشآت القطاع العام والبلديات ووحدات الإدارة المحلية والعمل الشعبي والشركات والمنشآت المصادرة والمدارس الخاصة المستولى عليها وما في حكمها وسائر جهات القطاع العام وكذلك جهات القطاع المشترك التي لا تقل مساهمة الدولة عن 75 بالمئة من رأس مالها.
كما أصدر الرئيس الأسد بنفس اليوم المرسوم التشريعي رقم 42 لعام 2015 القاضي بمنح أصحاب المعاشات التقاعدية من العسكريين والمدنيين المشمولين بأي من قوانين وأنظمة التقاعد والتأمين والمعاشات والتأمينات الاجتماعية النافذة بمن فيهم الخاضعون للمرسوم التشريعي رقم 48 لعام 1972 والقانون رقم 42 لعام 1980 زيادة قدرها 2500 ليرة سورية فقط.


المرســـــــوم رقم 7 لعـــــــام 2015
أصدر السيد الرئيس بشار الأسد أمس الأحد المرسوم التشريعي رقم 7 للعام 2015 القاضي بمنح العاملين المدنيين والعسكريين والمتقاعدين والمتعاقدين بعقود سنوية تعويضا قدره 4000 ليرة سورية شهرياً باسم تعويض معيشي.
ولا يخضع التعويض بحسب المرسوم لأي حسميات مهما كان نوعها ويصرف مع الراتب أو الأجر أو المعاش.


المرســـــــوم 13 لعـــــــام 2016
أصدر السيد الرئيس بشار الأسد المرسوم التشريعي رقم 13 لعام 2016 يقضي بإضافة مبلغ وقدره 7500 ليرة سورية شهرياً إلى مبلغ التعويض المعيشي.


المرســـــومان 8 و9 لعــــــام 2018
أصدر السيد الرئيس بشار الأسد المرسوم التشريعي رقم 8 لعام 2018 القاضي بزيادة رواتب العسكريين بنسبة 30 بالمئة من مجموع الراتب بعد إضافة التعويض المعيشي إلى الراتب المقطوع النافذ حالياً للعسكريين وعده جزءاً منه.
وأصدر السيد الرئيس بشار الأسد بنفس اليوم المرسوم التشريعي رقم 9 للعام 2018 القاضي بإضافة زيادة قدرها 20 بالمئة من المعاش التقاعدي إلى المعاشات التقاعدية للعسكريين ويضاف التعويض المعيشي الممنوح لهم إلى المعاش التقاعدي بعد احتساب الزيادة المنصوص عليها في هذا المرسوم ويعد جزءاً منه.

 

مـِنـح.. والبقدونسبــ 100 لـــــــــــــيرة!

ما علاقة البقدونس بالراتب؟ كلّ الحقّ على البقدونس ومن ارتدى ثوبه الأخضر من خسّ وبصل وفجل..
كلّ «النفائس» التي تقدّم ذكرها إضافة إلى منتجات أخرى يتمّ إنتاج نسبة لا بأس بها تحت مسمى «الزراعات الأسرية»، وبما أن الدولة قدّمت كل مستلزمات هذه الزراعات الأسرية مجاناً فلماذا هي الأخرى هرولت خلف سعر صرف الدولار؟
رغيف الخبز الأسمر بـ 25 ليرة، ورغيف النخالة من 15-20 ليرة، وقبل وقت ليس ببعيد كانت النخالة مكدّسة في مستودعات المطاحن لا أحد «يقيمها»..
نعود إلى المنح التي تقدمها الدولة، وخاصة ما يتعلّق منها بالزراعات الأسرية فإن لم تحقق 50% من أثرها الإيجابي فالأصحّ تحويل قيمها على شكل إصلاحات على الرواتب ولو بنسبة واحد بالألف «وفي كل بيت موظف على الأقل»، أما أن نشتري كيلو البصل الأخضر من 700-1000 ليرة في عزّ موسمه ومن إنتاج هذه المنح فهذه مشكلة!

 


طباعة   البريد الإلكتروني