طوفان بلا سفينة

الوحدة 14-5-2020

استفاق من نومه مصفر الوجه، مذعوراً كمن لدغه العقرب، أخذ قلبه يخفق بشدة بينما أحس ببرد مقيت يلف ساقيه، هو الكابوس عينه الذي يراوده كل حين منذ أن بدأ تطبيق الحجر لمواجهة فيروس الكورونا، قفز عن فراشه، تخلص من ثياب النوم التي كان يرتديها، وأخذ يذرع الغرفة جيئة وذهاباً بين الخزانة والفراش، محاولاً إخفاء العلامة المستديرة التي وسمت غطاء الفراش الداخلي كتعبير عن شدة الاستياء والخوف مما شاهده ابن العشر سنوات في حلمه المرعب المتكرر، رأى نفسه في الحلم عائداً إلى مدرسته وصفِّه بعد الإعلان عن فك الحجر الصحي، بالنسبة إليه هذا كابوس يستحق التعبير عن الامتعاض منه بكافة أشكال البلل الهندسية فوق غطاء الفراش.

قد يعتبر البعض ما سلف مبالغة في وصف ما يعتري تلاميذ مدارسنا من مشاعر مختلطة يغلفها الخوف والامتعاض بمجرد طفو إشاعة على صفحات التواصل تفيد بانتهاء الحجر وإلزامهم العودة إلى الدوام المدرسي، بل قد يعتبرها البعض الآخر نوعاً من الكوميديا الصفراء تتناسب والعلامة المستديرة فوق الفراش لكن المراقب لفرحة التلاميذ ساعة الإعلان عن تمديد الحجر وانتهاء دوامهم المدرسي سيتيقن تماماً من وجود سورٍ يفصل بين التلميذ ورغبته في متابعة الدوام المدرسي قد يفوق الأسوار التي تحيط بمدارسنا ارتفاعاً.

تلاميذنا الأشاوس الذين كانوا يملؤون الساحات والصفوف شغباً ونشاطاً تحولوا في لحظة (البلاغ رقم ٢) إلى شيوخ من الطراز الرفيع أمطروا المسؤولين عن سلك التربية والتعليم في القطر وابلاً من الدعاء بالصحة وطول العمر لو أن العناية الإلهية في وارد الاستجابة إليه لنافس المسؤولون وأفراد عائلاتهم نوحاً في طول أعمارهم! التلاميذ الذين كانوا يدّعون الملل والضجر في فترة الحجر قفزوا فرحاً عندما سمعوا بتمديده وفضلوا البقاء بين جدران بيوتهم عن جدران المدارس لسان حالهم يقول: الرمد أحسن من العمى.

الجميع يعترف بوجود فجوة بين التلميذ والدوام المدرسي لكن الحجر فضح عمق هذه الفجوة واتساعها فأين يكمن سبب هذه المعضلة؟

هل يكمن السبب في النظام المدرسي الروتيني الجاف؟ هل يكمن السبب في طريقة تعامل المعلم مع التلميذ؟ هل هو نتيجة أساليب الإدارة المدرسية؟ هل تلعب صعوبة المناهج دوراً؟ أم أنه الكم الهائل من المعلومات التي يتوجب على التلميذ حفظها؟ هل السبب يكمن في أن الجهات المعنية تعتبر التلميذ نموذجاً مصغراً عن نيوتن وسقراط وسيبويه والخوارزمي وتتعامل معه على هذا الأساس؟ هل يكمن السبب في الضغط الذي يمارسه أولياء الأمور على أولادهم في البيت؟

يجب أن تكون الأول في مدرستك... كلية الطب في انتظارك.. لن نقبل منك بأقل من جراح قلبية! هل هو عبء الدروس الخصوصية ومجموعات التسميع المضاف إلى عبء المدرسة والبيت؟

المسؤولون عن سير منظومة التربية والتعليم في القطر، لا ينكر جهودكم في مجالكم إلا جاحد، التلاميذ دعوا لكم بطول العمر حتى نافستم نوحاً فمن الأولى أن تنافسوه في بناء سفينة يركبها تلاميذنا ويعبرون على متنها طوفان الفجوة المتأصلة بين الطالب ومدرسته.

شروق ديب ضاهر


طباعة   البريد الإلكتروني