وقال البحر.. بين ضفة وأخرى....

الوحدة : 24-11-2021



أن ترى ما تبحث عنه قبالتك تماماً, يبعد عنك أمتاراً قليلة، لكن النهر دونك وإياه, ولا يوجد أي معبر قريب يقودك إليه، فيبقى بعيد المنال حتى لو كان قاب نظرة أو أدنى...
كثيرة هي الأمور الجيدة القريبة منّا, ومع هذا يعزّ علينا قطافها وملامستها, كأن تكون ممنوعاً من تناول اللحمة لسبب مرضيّ، ورائحة الشواء تحاصرك من الجهات الخمس! بدواخلنا, دائماً هناك شيء ما تعزّ ولادته, ويصبح مخاضه هو الألم المستمر فيك, والعلامة الفارقة التي تطبع قلقك وحياتك، شيء ما, يبتعد كلما ظننت أنه يقترب!
عندما تلبسك هذه الحالة, وتشعر وكأنها تريد أن تطبق على أنفاسك, ما عليك إلا بالطبيعة, اخرج إليها, بثّها نجواك فهي ليست زوجتك لتملّ سماعك, وليست أحد أبنائك ليقول لك إن زمانه غير زمانك, وليست رفيق سوء يوافقك الرأي بحضورك ويدق كل مسامير نعشك غياباً, هي تلك الفسحة الخيّرة التي أحسن الخالق عزّ وجلّ رسم خيوطها، وتلوين تفاصيلها, قادرة على انتشالك من أي همّ, وواسعة إلى الدرجة التي تستوعب حزنك النبيل..
عندما تكون على جهة من شارع ما, ويلمع وجهاً حسناً على الطرف الآخر من الشارع, وتظن أنها هي تماماً من تبحث عنها منذ سنوات, وتحاول أن تقطع الشارع إليها, لكن زحمة السير تمنعك، والإشارة الخضراء تتجمّد, وحين يُتاح لك العبور تكون تلك الحسناء قد ذهبت, ولم يبق إلا عطرها وآثار أقدامها, فاعلم يا صديقي أنك سيء الحظ كثيراً, وأن عليك أن تمشي حافياً وفاءً لنذر قديم يبدو أنه غاب عن بالك.
إن كانت أمّك على قيد الحياة فاسرد لها الحكاية, فهي الوحيدة القادرة على إقناعك أن الذهاب والإياب يلتقيان يوماً ما، في مكان ما, لسبب بسيط وهو أن أمك هي الشخص الوحيد القادر على إثبات المستحيل بداخلك..
كنتُ ذات عشق قديم ألهو بمشاكسة النجوم, أتفنن في رسم وجه من أحب على صفحات القمر، وأقطف الكروم حبةً حبّة, ومن رحيق كل زهر آخذ عينة, وأضع كل هذه الأشياء الجميلة في حقيبة سفري إليك... ضاعت الحقيقية يا حبيبتي وأصبحتُ كالأبله لا أعرف أصباحاً أعيشه أم ليلاً, وأنسى أن أقول لك: حبيبتي كيف أنت؟
وكنت ذات شوق, أتوسد خصلة من شعرك, أصبحتُ الآن بلا وسادة, وتبّت روح تاجر دفع لي بضع ليرات ثمن شعرك الهارب من بنات الشمس..

غانم محمد

 


طباعة   البريد الإلكتروني