وقال البحر.. مظاهر ومعالجات...

الوحدة:23-11-2021



يُمثل خروج الإنسان من عمله لوصوله إلى سن التقاعد أزمة حقيقية تنعكس على النفس والجسد، وتتطلب أرهف العلاج، وأرقّ العناية كون الدخول في مرحلة التقاعد وانتهاء العمل الوظيفي يغير من مفهوم المرء للحياة، ومن الجدير بالذكر أن الكثير من المتقاعدين يصابون باضطرابات مهمة بالعادات والغرائز، ومنها اضطراب النوم والطعام، ويُشكل التوهم المرضي الاكتئابي إحدى المشاكل المهمة التي يقع فيها غالبية المتقاعدين أحياناً، حيث يشعر الفرد بأنه مصاب بداء لا براء منه، وهذا الأمر يتم بآلية نقل القلق حول الوضع التقاعدي وتوجيهه إلى اهتمامات جسدية، وذلك يتم لا شعورياً ويقع الاختيار على أي عضو في الجسم لتلقي هذه الاهتمامات، وهذه الطريقة يبتدعها لا شعور المريض ودون إدراكه الوعي للدفاع عن موقفه الأسري المهدد وفي حقيقة الأمر يُعتبر مرض الاكتئاب عاملاً مهماً مسبباً لداء الأرق ومن المُلاحظ في عدد كبير من الدراسات الإحصائية بأن نسبة الوفاة بالأمراض القلبية تزداد عند المتقاعدين عنهم عند العاملين في نفس الأعمار.
تختلف الأعراض الصحية والعوارض النفسية عند المتقاعدين بنسب متفاوتة وحدّة شدة مختلفة وذلك بسبب العديد من العوامل يُذكر منها:
- التوازن النفسي: حيث أن الأفراد ذوي البنية النفسية الهشة يتداعون أسرع في هوة ما سبق ذكره على عكس المتزنين الذين يتصدون لمشكلتهم بوعي وحكمة ومنطقية.
- أهمية العمل السابق: فكلما كان العمل الذي أُعفي منه الشخص أكثر رفعة وقيمة ومكانة كانت النتائج أسوأ نسبياً.
- أضرار التعطيل: لا شك أنه كلما كان انخفاض الدخل أشد وكلما تقلصت العلاقات الاجتماعية أكثر فأكثر كانت الأعراض أشد تأثيراً وأكثر بصمة على النفس.
- الأفراد المحيطون: فالأسرة غير المتفهمة لأبعاد مشكلة أبرز أفرادها ستلعب دوراً سلبياً جداً في تطور حالة المتقاعد.
ومن الواضح بأن التصدي لكل مشاكل المتقاعد ليس بالأمر السهل ولا بد لمعالجة هذه الأمور من أن تتصدى أكثر من جهة للوصول للهدف المنشود وهو الوصول بهذه الشريحة من المجتمع إلى بر الأمان النفسي والتأهيل الاجتماعي وتحقيق جزء من السعادة لهم والاستفادة من طاقاتهم أيضاً، ولعل الحل الأمثل لهذا الموضوع يكمن عن طريق إنشاء نوادٍ أو حتى تأسيس رابطة للمتقاعدين لها فروع موزعة في كل المحافظات وتتولى إيجاد فرص عمل للراغبين منهم بما يتناسب مع طاقاتهم وخبراتهم وكذلك أعمارهم، وتوفير مرافق ترفيه ورياضة ومناسبات اجتماعية لهم ولذويهم، وإقامة جملة نشاطات فكرية أو ندوات وفعاليات ثقافية يُكلف بها الراغبون منهم.
وتقع على كاهل المتقاعد نفسه مجموعة من الأعباء والمتغيرات يتم تلخيصها من خلال بعض البنود التالية:
- التفهم الجدي لحقيقة أن إنهاء الإنجاز لا يعني الانتهاء بل يعني سعادة إتمام العطاء ومحاولة التأقلم مع الوضع الجديد.
- محاولة إيجاد عمل جديد والتكيف معه إذا كان راغباً وقادراً وذلك بما يناسب طاقاته وقدراته.
- ابتكار وإيجاد برنامج يومي حافل بالقضايا المفيدة والهوايات المحببة كالرياضة مثلاً لما لها من أهمية بالغة في إضفاء الانتعاش وإذهاب التوتر والحماية النسبية من أمراض القلب والأوعية.
وتبقى لعائلة الإنسان المتقاعد دور لا تُنكر أهميته أبداً من خلال تفهمهم الواعي لأبعاد الموضوع وإشعاره بأهميته دوماً من خلال الرجوع لرأيه بالمشورة ومشاركته بالإدارة وتشجيعه على مواصلة هواياته الممتعة وتفعيل اهتماماته المفيدة.

د. بشار عيسى


طباعة   البريد الإلكتروني