وقال البحر الهوية...

الوحدة 7-9-2021



أصبح سؤال الهوية يفرض نفسه بقوة في ظل عالم اليوم ذي الواقع الراهن الشديد التغير والمُتسارع التطور بشكل لا يتخيله عقل، كما وتنشغل معظم الشعوب في البحث عن ماهية الهوية كلما دخلت في أزمة عميقة داخلية أو خارجية لا يلوح لها مخرج قريب في الأفق، وكذلك هو حال الأفراد حين يصلون إلى مفترق طرق حيث يسأل الواحد منهم عن هويته وخصوصيته، وعن موقعه من الآخر، وهل من الممكن التكامل في الإنسانية ذاتها، وما هي الإمكانات الواقعية لمثل هذا التكامل الذي قد يختل في ظل علاقات قوة متغيرة لها أُسسها الاجتماعية وأبعادها الاقتصادية والسياسية، وفي ظل هذا المعنى يُمكن تعريف هوية الإنسان بأنها مغايرته للكائنات الأخرى على أنه مخلوق بشري عاقل، ويُعد هذا هو أول وأبسط مستوى تُوضع فيه الهوية الإنسانية، كما وتُشير المشاهدة الواقعية إلى سيرورة ذلك بحالة شاملة رغم ما قد يبدو من ثبات ظاهري مُؤقت في حالة الحركة والتغيير التي تتفاعل فيها عناصر شتى على أبرز وأهم المستويات الفكرية والثقافية والعلمية والاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية في واقع محدد ولحظة تاريخية معينة.
تكونت الهوية على امتداد التاريخ البشري منذ خُلق الإنسان، وسار ماشياً على وجه البسيطة، واستوى ونضج مُتمايزاً عن سائر الكائنات ومجمل المخلوقات، ثم قامت صروح الدول التي أخذت تتصارع فيما بينها للاستحواذ على مكامن الثروة واقتسامها، وصولاً إلى حد بسط النفوذ والهيمنة، وكلما كانت تُراكم فائض من الثروة وتُحسن إدارته ويكون هناك قدر معقول من عدالة التوزيع كانت تصنع حضارة وتُطور أشكالاً للعلوم والفنون والتطور والعمارة، وصولاً إلى بلورة هوياتها المميزة حيث تصنع بالعمل سر لغتها وحروف حضارتها وعنوان هويتها، ومن المُلاحظ أن سؤال الهوية هو أكثر الأسئلة إلحاحاً في الوقت الراهن وهو مطروح بشدة على مستويات عدة وبدرجات متفاوتة وقناعات متباينة سعياً لبلورة أشكال علامات ولادة عالم جديد وواقع فريد يُولد أساسيات التطور القائم على مزيج من المشاريع والأحلام والتأملات في جوف قادم الأيام بمعناها الإيجابي والاستشرافي، ولما كانت الحرية النسبية هي إحدى الأدوات الرئيسية للتاريخ وازدهار الأمم وتَفَتُح مواهب الأفراد فإن الهويات بطبيعة الحال يُمكن أن تتفاعل وتتجادل فيما بينها في نسيج الأمة عند توفر مناخ صحي ومناسب وديمقراطي فتُثري بعضها البعض كما أنها تتنافر وتتحارب إذا تعرض بعضها للضغط والحصار والتميز ومحاولة السعي للهيمنة وفرض السيطرة من قبل إحداها.
في خضم الصراعات القائمة والنزاعات الطاحنة في الوقت الراهن لم تنضج وتبرز الهويات المختلفة في مناخات صحية بسبب عدد من العوامل وأبرزها العنف المعرفي الذي يُمارسه دوماً الأقوى ضد الأضعف، ورغم ذلك كله تبقى هوية الوطن واقعاً تاريخياً راسخاً امتد لعشرات الحقب، وتأسس في حقول الثقافة وربوع الحضارة والتاريخ المُمتد على مر الأيام، ولا يخفى مع كل ذلك صنع وعاء الروح المُتمثل في اللغة الواحدة ترمز إلى والتي التركيب الغني المتجدد بتجدد الحياة ذاتها، وتبرز الهوية الوطنية كأنها وُجدت في الماضي واكتملت الآن وأصبحت جوهراً صافياً بنمط عصري، ومن المُلاحظ بأن الفرد أصبح مُستهلكاً للفكر أكثر من إبداعه في ثناياه وهذا شيء طبيعي كونه يستهلك أكثر مما يُنتج، ومن الضروري جداً فصل القيم والأفكار المُتمثلة في الحداثة والاعتقاد والمعرفة والشغف بالأسئلة التي تنهض على أُسس عامة وعالمية في مُجمل علوم التاريخ والسياسة والمجتمع عن ألوان وصيحات التكنولوجيا المُستهلكة بإسراف وشراهة ويكمن الهدف الرئيسي من الفصل بين التكنولوجيا والقيم في رسوخ طابع الهوية الحقيقية في الذهنية الإنسانية حيث الإيمان العميق والراسخ بالقدرة على استعادة الزمن الماضي ورسم دروب واقع العصر الحالي فهناك مفتاح رئيسي لتطور الإبداع والثقافة والقدرة على الإسهام الخلاق في الحضارة الإنسانية كعلامة على روحية الهوية الإيجابية الموصوفة بالحرية بمعناها الشامل لأنه من الصعب لأي مجتمع مُكبل بالقوانين المُقيدة للحرية والإبداع والغارق في الفقر والبطالة والتضخم أن يُنتج نقلة نوعية وهوية عصرية مُتطورة تُسهم بشكل مرموق في إيجاد بيئة ثقافية جديدة وأنماط حياتية عصرية وأفكار مُبدعة مُستقبلية.

د. بشار علي عيسى


طباعة   البريد الإلكتروني