بين الحضور والغياب...

الوحدة : 14-10-2020

لا يزال دور الأب الذي لا يقل أهمية عن دور الأم شبه مهمش في المعالجات الثقافية والنفسية والاجتماعية والإعلامية رغم خطورته وحساسيته، فالأب كما يراه الابن هو نظام دفاعي جاهز للعمل الفوري، وهذا الدفاع يختلف كثيراً عن دفاع الأم لأن الأب يُدافع بمهاجمة الآخرين وقت الخطر حماية لأبنائه ويمكن أن نسميه دفاع الحضن.

وبرغم أن مفهوم الأب هو تابع لوجود الأب الفعلي التي قد تكون صورته لها أهمية ودلالة نفسية أكثر من الأب المُشخص بالشحم واللحم فإن هذا ليس مُحتماً فقد يُولد الطفل ولا يرى له أباً حقيقياً نتيجة الوفاة مثلاً أو لظروف معينة ولكن يتكون مفهوم عن الأب وتتكون صورة له داخل الطفل وهذه الصورة مُستقاة من كل الآباء أو ممن يُمثلون الآباء كالأقارب والجيران والمعارف وحتى من كادر التدريس في المدرسة، والأب بمعنى الكلمة تماماً هو ما يتم تصوره عن الأب الحقيقي رغم تكون تصورات بعيدة أو قريبة عن الحقيقة وفي الغالب ما تكون قريبة مع محو النقائص وإضافة القدسية وغالباً ما يتم هذا الخلط والتحوير في مراحل الطفولة حيث تتكون أحياناً صورة أكثر هيبة لأدوار صورة الأب وليس الأب ذاته مع كل ما هو سلطوي وروعة عن حقيقة الأب وهذا ما يُولد أثراً رائعاً ولوحة راسخة في تشكيل نفسية الطفل وصُنع عامل الأمان لديه.

لُغوياً الحد هو الحاجز بين شيئين أو هو نهاية شيء ليبدأ آخر فلكل شيء تقريباً حد ما والأهم هنا أن للنفس حداً يُسمى حد الذات ويُقال له أيضاً حد النفس ويمكن اعتبار الأب واضع الحدود للأبناء فهو الذي يُعاقب كل من تخطى حدود السلوك كما ويُمثل السلطة في المنزل ويُعد أثره الجسدي والنفسي أقرب لتمثيل دور السلطة العقابية أكثر من الأم التي تغلب عليها سمات التسامح والعاطفة والحنان، ومن المعروف بأن للأب علاقة وثيقة برسم حدود ومعالم سلوكيات أطفاله وتعليمهم أول مبادئ ومفاهيم الحدود التي تتأثر بشدة بين الحدود الموروثة وبين حدود سماح المجتمع والدولة وتتجلى فائدة هذه الحدود للذات في أنها تمثل الحد الفاصل بين الأشياء وبين الحقيقة والخيال وبين ما يحدث داخل العقل وخارجه، ولعل الشكل الآخر للحدود يتجلى في التميع والنفاذية الشديدة مما لا يسمح بالاحتفاظ بالخبرات فينتج عن ذلك شخصية غير متماسكة ومترددة في مواقفها.

هنالك مسافة بين الآباء والأبناء وقد تزداد هذه المسافة في العلاقة فتصبح شبه رسمية أو علاقة عن بُعد مما تُزيد التكلف في المعاملة وهذا الإطار يُمثل صورة الأب شديد الهيبة مع الابن الخائف تحت سمة تنشئة عموم الأجيال السابقة، وقد تتناقص هذه المسافة وتذوب الكلفة وتتحول علاقة الأب بأبنائه إلى صداقة ففي تزايد المسافة إرساء لحدود قاسية وفي تناقصها إلغاء للحدود، ومن سمات المسافة البعيدة تقديس الأب وما يستتبع ذلك من إحساس بالأمان والاحترام والالتزام الجاد بالحدود ولكن قد يتحول هذا الإحساس بالهيبة إلى خوف من العقاب وتتولد حالة من القهر والاعتمادية اللا تلقائية على الأب، ومما لا شك فيه بأن هناك مسافة أيضاً بين الأم والأبناء غير أنها في أغلب الأحوال أقرب من مسافة الأب فطبيعة الرجل من عقلانية وتحكم وخشونة وسيطرة وجدية وواقعية أقرب إلى إيجاد مسافة أكثر من مسافة الأم نتيجة عاطفتها وتسامحها ورقتها ورحمتها وفعلياً كلاهما لازم، ولا يخفى بأن الأب أقرب ما يكون من مفهوم الصحة النفسية فحيث ترتبط الأم بإمكان التأثير في نفسية الطفل يرتبط الأب بإمكان تفجير أبدع ما في الابن لأنه المحرض الرئيسي على النمو تكاملياً سواء بوجوده القوي المتحدي أو بحضوره الضعيف المسامح بهامش الحرية ولعل علاقة الأب بالمرض والغياب علاقة غير مباشرة فعندما يغيب الأب بالمرض أو السفر فيحاول أحد أفراد الأسرة عموماً والأم خصوصاً أخذ دوره والقيام بمهامه وغالباً في العديد من الحالات ترتبك الأم لأنها غير مهيأة للقيام بأدوار ذكورية وفي هذه الحيثية تؤثر في الأبناء بشكل باعث على اللا سواء النفسي.

عندما يحاول بعض الأبناء التملص من طغيان الوجود الأبوي داخلياً وخارجياً فإنهم يدخلون مرحلة الانفصال و التي تبدأ باتهام الأب حصراً بالنقائص أكثر مما ينبغي وذلك تبريراً منهم للانفصال ومحاولة الاستقلالية رغم أن هذا الطرح تبريري وغير موضوعي، وبعد التوقف لالتقاط الأنفاس في مرحلة الهدوء النسبي يكتشف الابن عدم نضج أحكامه ولا وضوح رؤيته ولا سلاسة موضوعيته  ويُحاول العودة مجدداً وثانية برؤية مختلفة وموقف مغاير إلى رحاب الأب الحقيقي والأستاذ المعلم والملهم الروحي.

د. بشار عيسى


طباعة   البريد الإلكتروني