وقال البحر...طموحات الأمة

الوحدة 7-10-2020

 

يُقصد بالأمة الحضارية تعريفاً بأنها الدولة التي تكونت وفق اتفاقية العيش المشترك (الدستور) وشكلت حكومة من أفرادها لخدمة الناس وتسهيل أمورهم المعيشية في الداخل والخارج وكونت مجلساً للتشريع لاستمرار تطور الدولة ورفع بنيانها وانتخبت من بينهم رئيساً يُعبر عن سيادتها وكرامتها ويحفظ الدستور ويُحافظ على حدود الدولة وحرمة أراضيها، ومن الملاحظ أن معظم المجتمعات على جوانب الكرة الأرضية مهددة حالياً من قبل الشيطان الأكبر ليس بأسلحة الدمار الشامل وحسب وإنما بحروب تعتمد على خلق الفوضى المدروسة واختراق العامل النفسي للفرد وتجريده من كرامته الوطنية وقراره الحر ومن انتمائه الصادق لبلده وتحويله إلى أداة رخيصة بيد الشيطان الأكبر فينفذ بدم بارد التعاليم الجهنمية المطلوبة منه من خلال تخريب اقتصاد الأمة وافتعال الأزمات بأنواعها وانعدام الثقة بالعملة الوطنية وبث روح التمرد في نفوس الأفراد ضد أمتهم وإشاعة ثقافة الفساد وتدمير روابط العلاقات الأسرية وتغيير أنماط الحياة كافة بما يخدم سياسة الشيطان الغاشمة وجعل انتماءه إلى المادة فقط، ولعل الأمثلة كثيرة في المجتمعات التي تحولت أنظمتهم إلى لقمة سائغة ولعبة رخيصة على رقعة شطرنج الشيطان الأكبر.

تُواجه الأمة حالياً تحديات مستقبلية جديدة ناتجة عن تغيير وتحول النظام الدولي من حالة الاتزان والسكون الاستاتيكي للأمم إلى حالة الفوضى الديناميكية المنظمة حيث يقوم ممثلو الشيطان الأكبر بخلق أشكال مجتمعات فوضوية لا رابط لها ولا أخلاق ضمنها ويكون فيها الأفراد مجرد أرقام تؤدي دورها في إثارة الفوضى حتى انتهاء قيمتها، وتُنجب الأمة قائدها بعملية مركبة ومعقدة و بالغة الدقة وأدواتها في ذلك المؤثرات البيئية والطبيعية والاجتماعية أي أن كل المؤثرات تضع بصماتها في عملية ولادة القائد وتفوقه ونبوغه وتوفر مقومات نجاحه كما يلعب اختيار فريق العمل المحيط بالقائد دوراً كبيراً في إعانته على ممارسة القيادة والإدارة من خلال توزيع جدول الأعمال كل حسب قابليته وبروزه، وتُعد القيادة أيضاً مواهب مكتسبة عن طريق التعلم والاطلاع وهي عبقرية ناتجة عن القدرة على تحليل معطيات الواقع والتنبؤ بدقة بمجريات المستقبل و التخطيط بجد لمستقبل الأمة، ويمكن إيجاز أنواع العبقرية في:

- عبقرية مبدعة قادرة على التخطيط الاستراتيجي لمستقبل الأمة وتحديد مهمة ودور كل فرد منها.

- عبقرية منفذة للاستراتيجيات الموضوعة لمستقبل الأمة واستمرارية تواجدها للوصول إلى رفاهية أفرادها وترك مخزون حضاري ومادي لحياة الأجيال القادمة، وقد أخذت قضية الشراكة الحقيقية بين الأمة وقائدها حيزاً كبيراً من الدراسات والبحوث العلمية والاجتماعية والتحليل الاستراتيجي من قبل الكثير وانطلاقاً من مقولة (كيفما تكون الأمة يكون قائدها) فإن العلاقة بين الأمة والقائد ذات تأثير متبادل واختيار الأمة لقائدها هو قرار هام فكما يتطلب من الأمة التعاون مع القائد ووضع إمكانات قوتها بين يديه فعلى القائد أن يكون فعلاً الفارس الأمين والدرع الحصين في عمله لقيادة الأمة نحو الاستمرار والازدهار على دروب المستقبل.

تُؤكد حقائق العصر الحديث بأنه لا يمكن إخفاء حقائق القضايا المصيرية عن أفراد الأمة بشكل خاص وعن الأمم الأخرى بشكل عام فكل الحقائق تُؤكد في صميمها على أن المكاشفة و الشفافية هي الأساس في تقبل أفراد الأمة للمعلومة الحقيقية والتعامل معها فالمعلومات التي ترد عبر وسائل الإعلام المتعددة المحلية والعالمية ومنها وسائل الإعلام الالكتروني قاطبة ومنصات التواصل الاجتماعي التي لا يقف أمامها أي عائق سعياً للوصول إلى مسامع المتلقي تُحتم على الأمة والقائد فيها تقديم خطاب حضاري جديد و فكر إبداعي متميز تُحترم فيه العقول وفق مقاييس مقبولة ومناسبة بعيداً عن العاطفة والمحاباة أو التهويل والحماس، وتتمحور طموحات الأمة في نقاط جوهرية يتجلى أبرزها في:

- إنشاء الدولة الحضارية للأمة وفق الأبعاد الإنسانية الشاملة والحوار البناء مع مكونات المجتمعات المختلفة.

- إقامة اقتصاد قوي وراسخ من خلال التكامل بين الموارد الطبيعية والعناصر البشرية.

- الحفاظ على التراث الحضاري للأمة لأنه جوهرة ذاكرتها، وإذا فقدت الأمة ذاكرتها فقدت كيانها.

- إبراز صورة الأمة الحضارية في مختلف المحافل بخطاب حضاري يتضمن الحلول التكنولوجية لمشاكلها المحلية.

- نشر ثقافة المعلوماتية وتفعيل تطبيقاتها على أوسع النطاقات إضافة إلى بناء القاعدة العلمية المتمثلة بتزاوج رؤوس الأموال والعناصر البشرية ذات المستويات العالية في البحث العلمي، وقد أصبح من المعروف بأن التحديات الكبيرة التي تُواجه الأمة وقائدها ناتجة عن سلسلة من الأزمات المتنوعة من حيث طبيعتها وحجمها وأساليب افتعالها وعوامل تحريكها التي تؤدي إلى خلق الصعوبات والمشكلات الاجتماعية والمنغصات الحياتية بغية إحداث انهيارات عميقة في قيم الأمة ومعتقداتها وعليه فإن إدراك أخطار الأزمات ومواجهتها بصلابة يُعتبر من أهم الأولويات للحفاظ على كينونة الأمة وتفادي المزيد من الخسائر المادية والمعنوية.

د. بشار عيسى


طباعة   البريد الإلكتروني