عش كثيراً كثيراً

الوحدة 17 - 9 2020 

تستوطن الغربة نهارك الضائع, وتألف روحك طباع الطيور.. ما بين غربة وغربة فاصلة من ألم ومجهول بعيد يشدّك إليه.. عد إلى غصنك وكن كالطير سيد الريح أن تحطّ على أي غصن, وأن تغني متى يطيب لك الغناء بعيداً عن بنادق الصيادين الجائرين, والموت الذي يتربص بك عند كل التفافة.. الطيور وأنتِ كلاكما مطارد, ولا غصن تحطان عليه إلا والفوهات بانتظاركما والسبابة على الزناد وقت تمرون..

×××

وبغريزة البقاء تهجر الطيور الأغصان التي يقتحمها الموت..

أيها المدجج بالصدف والاتكال, مطارد أنت بين حدود دمك والمدن الغربية... تلوب في أزمنة العتمة.. بكامل حيرتك تحط على أغصان الخطر وتنتظر الصدفة أن تبعدك عن دائرة القتل.. تئتزر وشاحنات النهارات الضائعة.. رغماً عنك يفتشون حقيبتك وجيوبك وجلدك.. ورغماً عنك تطال الغربة كامل ما تمتلك من جسد ودم وأحلام.. إنها تغطي مساحاتك المكشوفة في شوارع قلوبهم المكتظة بالغضب منك وعليك..

×××

عش كثيراً.. ترَ كثيراً، الغربة ليست صدفة, وهزائمك ليست صدفة, والطوق المحاط به ليس أيضاً صدفة.. أنت الذي يبحث عن الصدف والتواكل عليهم..

سمرتك لا توافق ثلج أرواحهم.. علامة فارقة أن ساحات الحقد تتسع, وبين أن تكون حراً وقتيلاً تختلط الرؤيا, ويكون الحكم عليك لتُقتل أولاً.. ثم تُمنح الحرية بعدئذٍ..

عش كثيراً تر أن القتل لا يشوبه الكدر.. الغزاة فوق كل أرض ليسوا رُسل سلام ولا حمامات وادعة جاءت تحمل لك الحب.. والغزاة من بلاد الرافدين إلى حدود غزة والفرات.. وهداياهم إليك رصاصة وقذيفة وصاروخ وقنبلة بحجم كوخك.. عش كثيراً تر تجدد الأيام.. من اعتمر قبعة "كاوبوي" بفرح.. من نسي يوم كان أشبه بنخلة باسقة, ومن ظنّ أنّ القادم عاصفة فتقصف وانحنى... صار القامة.. المنحنية... المربعة... الدائرية.. أو المستطيلة, ومن جدد أحذية وكوفيات وعقالات القبيلة... يقول: جدد حريتك قبل أن تتجدد بالقوة, وافعل ما يُملى عليك.. عش كثيراً تر المتغيرين يتخبطون بين الموج والصخور.. يلهثون في الوصول إلى مباركة قبعة (الكاوبوي) الحمقاء..

×××

عش أقل من الكثير, وفتش على ضوء شمعة بين زوايا الكهوف.. عن تعويذة تقيك الحسد والشماتة والتبعية الخالصة..

عش كثيراً وسترى أن ما سيأتي أعظم إن لم تتهيأ لردّ الخطر الزاحف..

عش كثيراً وسترى أن طريق الخلاص ليس صدفة وليس ابتهالاً.. وأنّ الوصول إلى منبع الضوء ليس التكور في زوايا العتمة.. وليس بالصدفة تتوالد الأفكار والكائنات..

عش كثيراً تر كثيراً.. راقب بحذر ما يُبرمج لك واهتد إلى الطريق الذي يوافق وصولك.. طيبون كثيرون في هذا العالم يقفون معك, وما عليك إلا أن تكون مع نفسك.

بديع صقور


طباعة   البريد الإلكتروني