وقال البحر..التعب...

الوحدة 2-9-2020

 

لا يسلم أحد من الناس عموماً من الإحساس بتعب يفوق ما اعتاده، ويزيد عما يحتمله، إضافة إلى خمول لم يسبق أن شعر بمثله من قبل، وفي ظل هذه الظروف القاسية والأحوال غير الطبيعية يمكن تحليل ومعرفة مجمل أسباب هذه الأحاسيس كأن يكون مرجعها إلى ضغط نفسي أو إرهاق جسدي أو توتر عاطفي أو حتى صراع ذاتي، ومجمل هذه المشاكل تُعدل نفسها بنفسها عادة رغم أنه في بعض الحالات قد يلازم الخمول والتعب اضطراب شديد يستلزم بصورة أو بأخرى استشارة طبيب.

تمتلئ عيادات الأطباء بالعديد من الأشخاص الذين يشتكون من التعب الشديد والخمول وقلة النشاط و لعل السر في ذلك يعود إلى وجود فراغ حياتي كبير يسمح بكثرة الشكوى وتنوع جوانبها، ويجد عدد كبير من الناس الصعوبة في تصديق عدم وجود دواء سحري يشفي من الخمول والإرهاق والتعب، ولا يستطيع أي طبيب وصف أي دواء ناجع وفعال سوى تقديم مفتاح القاعدة الذهبية والنصيحة العملية المتلخصة بمراعاة نظام غذائي جيد للتغذية المتوازنة مع قسط معتدل من أنواع الرياضة.

يُعتبر التعب الزائد في كثير من الأحيان استجابة قصيرة الأمد لتبدل مفاجئ في نظام الحياة كفراق الأحبة أو المشاكل الاجتماعية كالطلاق والانفصال وغيرها، أو الضائقة المادية أو الكآبة التي تعقب كل عطلة طويلة، ولذلك فإن على الأشخاص الذين يشكون من هذا النوع من التعب بسبب ما تقدم ذكره من مؤثرات أخذ العلم بأن ذلك أمر طبيعي تماماً كون تلك الشكاوي ستزول حتماً مع مرور الزمن و انقضاء الوقت.

كثيراً ما يُرد الشعور بالتعب إلى عجز الإنسان عن النوم وهذا التفسير يبدو في بداية الأمر منطقياً ولكن قد يكون من الضروري والملحّ البحث في ماهية الأسباب لمعرفة سبب عجز بعض الناس عن النوم وكثيراً ما تكون عائدة إلى القلق أو الانقباض أو التعاسة بسبب إصابة أحد المقربين أو الأصدقاء بمرض شديد أو تأثير جائحة ما أو حتى حالة معضلة ومستعصية أو ربما أيضاً سوء سلوك أحد الأبناء أو البنات الغارقين في متاهات هذا المجتمع الهائج بأفكاره والمتلاطم بثقافاته، وإضافة إلى ما تقدم ذكره من أسباب حقيقية وواقعية فقد تكون هناك مشاعر أخرى محفزة للتعب كالأسى والندم على انقضاء أجمل سني العمر وأثمن لحظات الحياة دون أن تُثمر ما كانت ترجوه الأنفس وذلك كله يؤدي إلى فقدان الاهتمام بأي نشاط وإلى الإحساس بجو الوحدة والفراغ المُفضي إلى الاستسلام لخيوط التعب.

في منتصف العمر لا بد لكثير من الناس من الشعور بالتعب بعد يوم طويل ومضنٍ من العمل والشقاء وفي هذه الأيام لم يعد يتقبل المرء فكرة الشيخوخة والتقدم في العمر ولهذا يُلاحظ توقع الغالبية بأن يتمتعوا بنفس الحيوية والنشاط الذي يتمتع له صغير السن، وسواء اعترف الناس بذلك أم لا فلا بد من مجيء ذلك اليوم الذي يشعر فيه الإنسان بأن وتيرة الحياة قد تباطأت لديه وبدأت سرعة عجلتها  تتراجع بصورة تدريجية، ولا يخفى بأن العلاج الفعال الوحيد لجعل النفس تستعيد ثقتها بنفسها وتعيش أفضل حالاتها هو أن تختط نمطاً عملياً وواقعياً للحياة يتناسب مع الحاجات الحقيقية للإنسان لتخفيف وطأة التعب وانعكاساته.

د. بشار عيسى


طباعة   البريد الإلكتروني