وقال البحر .. السلطة الرابعة

الوحدة 19-8-2020

 

مفهوم السلطة الرابعة.. صاحبة الجلالة.. الصحافة.. الإعلام، تعددت المسميات والغاية واحدة، وهي عكس الواقع الذي نعيشه بكل نواحيه (الاقتصادية والمالية والحياتية وغيرها) كنوع من الصحافة المألوفة قبل انتشار تطبيق تقنيات التواصل الاجتماعي والتي لعبت دوراً تنموياً على مختلف الصعد في تسليط الضوء على مكامن القوة والإشارة إليها وتدعيمها وخاصة الجانب الاجتماعي وكذلك الخدمي والإداري، وبالمقابل ساهمت بجد في كشف الخلل ومناحي التقصير وتعرية شتى عوامل الضعف في هذه الجوانب بغية المعالجة والإصلاح والنهوض بالواقع.

تقتضي متطلبات المرحلة الراهنة والحساسة تفعيل دور الإعلام في الرقابة على الأداء وتمكينه من الارتقاء بكل ثقة وأمانة لمستوى التحديات المفروضة والظروف القاسية والاستثنائية التي يعيشها السواد الأعظم من الناس إضافة إلى الحاجة الماسة لإجراءات استثنائية للحد من تشويه الحقائق وتزوير الوقائع والمحافظة على هيبة الدولة وبسط الأمن والأمان وتثبيت الاستقرار كأولويات حياتية هامة، ويعتبر الإبحار وخوض الغمار في مجال الفكر والأدب عموماً والإعلام والصحافة خصوصاً عملاً مرهقاً وشاقاً ولكنه في أعماق معاجم اللغة سلطة ورفاه وإلى ما يكابد الصحفي في مسيرة حياته المهنية فيبقى سلطان الكلمة أقوى من قساوة العيش وتظل جاذبية الفكر الصامت وسهم الحرف أشد من عوائق الحاجة وتكون طاقات التعبير أعنف من كل العوائق والعقبات وتغدو كل معلومة سلاحاً ناجعاً وفتاكاً، وهكذا يبقى الصحفي مقبلاً على صياغة العبارات بجرأة نادرة وإصرار عنيد وصفاء فكري فريد ويكون متنقلاً كالنحلة في ربوع الحقول والسهول ومتسلقاً جبلاً شاهقاً وهابطاً وادياً سحيقاً ومنتظراً ولادة حدث معين أو أوان معلومة فريدة أو ذبول فقاعة فارغة وكأنه يتعهد توعية مجتمع وتنشئة جيل فتُدميه أشواك الحياة ومفاجآت الطبيعة.

قبل بزوغ الفجر ووضوح خطى الدرب أمام زهور المواضيع وعطور الأخبار يتفحص الصحفي ما يُطالع في الكتب ويتلقف ما يُشاهد في طبيعة الدنيا ودروب الحياة فيُقارن بحكمة ولا يقر له قرار حتى يشعر بحدسه وإحساسه بأن قد أوفى حق كلمته من البحث والتقصي، ولا يكتفي الصحفي بالقراءة فقط ولن يتوقف عند المعاينة وإنما يلجأ الى الاختبار أيضاً فيستنبت من التجارب النتائج التي تجعل معلومته واقعاً عملياً فيه من المصداقية الاحتراف ومن الأخلاق السمو ومن الجديد ما يكسر سلسلة النسخ والتقليد الأعمى، وعليه فيُعتبر عمله رغم صعوبته مشواراً مقدساً في متاهات الدنيا كونه يتحمل في سبيل الواجب كل المشقات تحقيقاً للشعار الحياتي (بالممارسة الجادة وليس بالقول فقط).

في لعق الصبر وجد الصحفي البارع أحلى متعة تسعى لاكتشاف أعماق حكايا المجتمع والناس حيث يخلع السبق الصحفي من روح الكلمة ويبوح كل موضوع بأسراره الدفينة فتكون المادة الإعلامية مزيجاً من عرق الجبين ونزوع النفس وشِعر العقل وعطاء الطبيعة في دنيا لا تفنى، وعندما تنقضي الساعات ويمضي النهار وتتعاقب الأيام يعود أدراجه وفي جعبته ألوان الدنيا فيفرغها على طاولته ويأخذ قلمه ويُسطر أوراقه ويبدأ مشوار الكتابة إلى آخر الطريق عند سفح الموضوع ويتوق للراحة بعد قطاف غلال حقل التقصي وبيدر الاستطلاع، وفي ختام المشهد تُخط الكلمات على ورق طباعتها لتحكي عن شجون دروب ضياع مشاكل الناس وبعد هذا تغفو ألسنة النار في موقد أوراق الصحفي ويخبو لهيب الكتابة وتبقى جمرات الحروف تشع دفئها في حواس بدنه وتُتخم حقيبته بمواضيعه ويستكين إلى واحة الراحة المُجددة للعزم والقوة بعد مراجعة معاناة جلسات تعارف وحوار أمزجة تواقة إلى التمايز والتفرد والعزلة والتأقلم ويشده النوم للاستسلام طوعاً ليحلم بالتفتيش عن لقاءات جديدة ومشاكل عديدة تستفز كلماته السحرية إلى حيث تتطلع وتبتغي من صنوف المعرفة والموضوعية والعمق والصفاء بلا رياء ليضيع به الزمن حتى يخال أنه بعضٌ من لوحة أزلية الطبيعة.

د. بشار عيسى


طباعة   البريد الإلكتروني