وقال البحر موت (الأميلكاني)

الوحدة 22-7-2020

 

عندما شعر جدي بدنو أجله، قال كلمة الوداع: إلى كل شجرة في الحديقة.. واحدة تلو الأخرى، محتضناً إياها، وباكياً لأنه علم أنه لن يراها ثانية.

عصر قارس.. حبات مطر ما أن تسقط حتى تتجمد بسرعة فوق وجوهنا..

الذي كانوا ينادونه (الأميلكاني) جدي محمد.. كان ممداً في سريره، محاطاً بأبي وأعمامي  والشيخ مسعود، الجالس على كرسي خشبي صغير، إلى جواره يبسمل ويحوقل.. الغائب الوحيد كان عمي ونوس البعيد، في العسكرية بالشام، ولم يكن قد وصل بعد..

اشتد هزيم الرعد، والبرق، والمطر.. والغروب على وشك أن يغرق القرية في بحيرة من ظلام..

تحت سقف ذلك البيت الطيني أسلم جدي محمد الروح، وأنا واقف أشاهد بأم عيني ما يجري.. أغمض الشيخ مسعود عينيه الشاخصتين اللتين جال بهما على الوجوه الواقفة والمتحلقة حول سريره.. بعد أن أعادوه من رحلته القصيرة، والتي أوقفوه بها على الباب.. تملى وجه السماء المكفهر الغاضب طويلاً، آخر النظرات كانت على أغصان شجرة التوت التي كان قد غرسها بيديه..

وهزَّ (الأميلكاني) جدي محمد رأسه طالباً الرجوع من آخر رحلة له على هذه الأرض.. أقصر رحلة.. تطلع في وجه الشيخ مسعود: خلص العمر يا شيخ مسعود.

(هي الدنيا لا تدوم لغير خالقها يا جدي..).

انتهت الرحلة يا شيخ مسعود، وآخر شهقة، وأطبق فمه، وردّ الشيخ مسعود الغطاء على رأسه، وأردف: حجارة القبر التي قطعها، وأعدها، وجهزها لقبره كافية.. وقد تزيد واحدة.. حجارة القبر كانت مركونة في زاوية (الحاكورة) الشمالية تنتظر من يحملها إلى المقبرة في الصباح.

في الصباح الباكر.. انكفأت العاصفة، وتوقف المطر.. وأشرقت الشمس.

ظهيرة ذلك اليوم الأحد4 كانون الثاني 1964 حملوا جدي الأميلكاني إلى المقبرة.. هناك في مقبرة زهرة الريح يرقد جدي الأميلكاني بجوار من سبقوه، تحت صنوبرات مقبرة حارة الجبل.. المغطاة بأعشاب الصمت والذبول، من آل أيوب وشعبان ومصطفى، وغريب، وأهلي.

بديع صقور


طباعة   البريد الإلكتروني