وقال البحر .. الاستقصاء..

الوحدة 1-7-2020

 

ظهر مفهوم الاستقصاء كقيمة مضافة عرفها حقل الإعلام وكانت أبرز عناصر عمله تتمحور في تأهيل الكوادر الإعلامية و تهيئة البيئة التشريعية والبنية القانونية لحماية المتقصي وإرساء النظم المالية المعنية بتغطية نفقات هذا النمط من العمل وتأهيل أغلب الكوادر الوظيفية بمختلف مستوياتها للتعامل بمهنية مناسبة مع هذا النموذج من العمل، ويمكن تعريفه بأنه العمل الميداني الذي يُكشف من خلاله عن معلومة مجهولة أو حقيقة غائبة ويتم تقديمها بطريقة سرد حكاية أو رواية قصة، و يُعد التركيز على وصف أبعاد المكان وماهية الأشخاص كالرسم بحروف الكلمات وهذا أمر بالغ الأهمية لوضع المتلقي في قلب الحدث وصميم الهدف بهدف إكساب المعلومات أكبر قدر من المصداقية من جهة وكسب ثقة المتلقي من جهة ثانية، ولكي يتم تحقيق كل ما سبق فلا بد من ما يلي:

ـ البعد عن التكلف والمبالغة في خلق الأحداث.

ـ اختصار الإسهاب والشرح الطويل  والتوضيح المبالغ.

ـ الاكتفاء بدور الناقل الحيادي بواقعية وصدق للحدث والصورة دون أي تدخل.

وأما بخصوص إسناد المعلومات فيجب أن يكون المُسند إليه حقيقياً وليس وهمياً،

وموجوداً وليس مختلقاً، وليس بالضرورة أن يكون مثقفاً أو شخصية اعتبارية، بل قد يكون مغموراً وغير معروف طبقياً واجتماعياً.

يمكن لموضوعات الاستقصاء أن تكون اجتماعية أو من شتى جوانب الحياة اليومية، وتأتي قيمة الموضوع من مدى قدرته على كشف جوانب صورة غامضة وغائبة عن أعين الرأي العام كونها مهمة بالنسبة له ومؤثرة فيه في الوقت نفسه، كالحديث مثلاً عن ظاهرة الإرهاب وكيفية وصوله إلى المجتمع والتغلغل فيه وآلية مكافحته ووسائل التصدي له، كما يحق في النهاية للمتقصي أن يُبدي رأيه في الوقائع التي يقدمها في نهاية موضوع الاستقصاء إذا كان ذلك مُتوجباً، ويعتبر الاستقصاء مشروعاً حيوياً بارزاً ونمطاً احترافياً مميزاً لا بد منه ولا غنى عنه كونه العمود الفقري لهيكل الإعلام المتكامل، ولعب الاستقصاء دوراً مؤثراً وفاعلاً في مفاصل الحياة اليومية وحركة مكونات المجتمع، وحقق قفزات نوعية غير مسبوقة على صعيد تقديم الحقائق الصادقة والمعلومات الدقيقة والصحيحة والتي من الصعب اغتنامها والحصول عليها بالوسائل التقليدية والأساليب الاعتيادية، ويُعد رافعة حقيقية للعمل الصحفي وضرورة للنهوض به وأحد مبررات وجوده.

 لا يختلف التحقيق الصحفي بشكل عام عن التحقيق الاستقصائي لا سيما إذا توافرت فيه شروط العمل المهني من حيث الدقة في المضمون والعرض الواقعي للحقائق وسرد التفاصيل ومراعاة خلفية المعلومة ومدى أهميتها بأسلوب مفهوم وواضح ومفهوم، ويمكن تعريف الصحافة الاستقصائية بأنها البحث في عمق القضايا وأسرار الخبايا التي تؤثر على المصلحة العامة بشكل رئيسي، وهي عملية طويلة تحتاج لحكمة التخطيط وحرفية البحث وخبرة التنقيب عن المعلومات والتأكد من صحتها من خلال عدة مصادر باعتماد المهارات الذاتية، وعليه فقد تأخذ التحقيقات الاستقصائية الكثير من الوقت ليتم إنجازها والانتهاء منها، وانطلاقاً من كل ما تقدم ذكره وفي ضوء ما هو مطروح اليوم على أرض الواقع وبساط البحث من ضرورة السعي لإيجاد نموذج مثالي لمفهوم الاستقصاء في الإعلام، فهناك الكثير من النقاط التفصيلية التي تستوجب التوقف عندها ملياً وبحثها بكل موضوعية وشفافية وصدق لتوفير البيئة الأنسب والتربة الخصبة للنهوض بهكذا مشروع، فمن غير الممكن التحدث بإنصاف عن ما سيحققه من نتائج على صعيد كشف الحقائق وتثبيت الإدانات وتعرية الارتكابات قبل البدء بتوفير الأسباب المنطقية لانطلاقه ومحاولة وضعه على السكة الصحيحة والطريق الأمثل، وهذه البيئة الأنسب لا تتبلور معالمها إلا بوجود إرادة حقيقية وواعية لضرورة إنجاز هذا المشروع  الهام، وأن تكون مقتنعة تماماً بأهمية وضرورة الكشف عن الأخطاء أينما كانت لإصلاحها ومعالجتها في أي مجال وفي كل مكان، وهذا الإجراء سيوفر الكثير من الوقت والجهد في ضوء السعي الحثيث لإزالة شتى العوائق والصعوبات من أمام العمل الاستقصائي.

د. بشار عيسى

 


طباعة   البريد الإلكتروني