وقال البحر .. الفساد.. حديث الساعة

الوحدة 24-6-2020

 

كثُرت في الآونة الأخيرة الأحاديث الاجتماعية في مختلف الأروقة، وكذلك التوجهات الرسمية حول مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين، ومنها التصريحات الحكومية حول إحداث ما يسمى بهيئة عامة لمكافحة الفساد منذ سنوات، ولعل الظروف التي نعيشها على مدى عقد من الزمن ساهمت بوضوح في ترسيخ ما يسمى بثقافة الفساد بدءاً من الأسرة الصغيرة وصولاً إلى أي قطاع.

يُعتبر من الضروري عند دراسة تصرفات الأفراد، وفهم دوافعهم في كيفية إشباع شتى حاجاتهم الاتجاه إلى علم النفس، حيث يتخيل كل إنسان لنفسه صورة معينة يسعى إلى أمل تحقيقها، وتتركز رغباته حول إبراز تلك الصورة أو تأكيدها، وهذا ما يسمى بمفهوم تحقيق الذات، ولقد أكدت تجارب التطور في ظل المنهج الحياتي المعاصر بأن تنامي أشكال الفساد وتفاقم الأزمات تُؤكد على أهمية عامل ودور الأخلاق في القضاء على ذيول الفساد، ومع ترسيخ المبدأ القائل باعتبار المنصب تكليفاً وليس تشريفاً يمكن تعريف مفهوم الفساد المُقر بوجوده على مر الزمن وتعاقب الأيام بأنه سوء استخدام المنصب أو كلمة الوظيفة كمصطلح أكثر شمولاً لتحقيق منفعة فردية خاصة بغض النظر عن مدى حجمها وعُمق أثرها واتساع نطاقها، ولعل عملية تراكم وتكديس رؤوس الأموال ونمط العلاقات المتولدة والمستقرة بين جميع الطبقات في المجتمع عكس بقوة مجموعة عوامل قادرة على وضع المحددات الرئيسية لتعريف الفساد بأشكاله المفترضة وآثاره المفتعلة.

تتمحور آثار الفساد في إعاقة عملية النمو وإلحاق الضرر بتنمية المجتمع ووقف عجلة التطور، إضافة إلى ضرر الإخلال بمبدأ الشفافية الذي يُعد شرطاً أساسياً للتطور والنمو، ويُلاحظ بأن للفساد أشكالاً عديدة وألواناً فريدة ووجوهاً مختلفة وتتفق معظم الآراء الواقعية المحقة على أن الفساد الممتد أو المنتظم يُعد أخطر أنواع الفساد الذي ينشأ ويترعرع في غالب المجتمعات المتصفة بنمو اقتصادي ضعيف ومنخفض وعلى العكس من ذلك فتتميز المجتمعات الخالية نسبياً من الفساد باحترام الحريات ووجود نطاق واسع من العروض الاستثمارية وفرص العمل ونجاح الهيكلة المؤسساتية، وقد اختلفت النظريات في تفسير أسباب الفساد بدقة ووضوح فمنهم من يُرجع السبب إلى البحث عن الريع الكبير والغنى السريع خارج سياج القانون وحدود الأخلاق والانضباط العام ومنهم من ينسب السبب إلى الفقر وقسوة الحياة والضائقة المعيشية بعيداً عن مبدأ القناعة بالرزق المقسوم له والتكيف المقبول بالواقع المفروض.

تسعى النفس البشرية عموماً من خلال العمل إلى تحقيق ذاتها وتحسين واقعها المعيشي وإثبات وجودها الفعلي في شتى ميادين العمل ومختلف درجات الوظائف لأن الأقوياء هم من يكتبون التاريخ ويحفرون بصماتهم على كل صفحاته كما أن تغيير الواقع لا يتم تحقيقه بالشعارات فقط بعيداً عن امتلاك ناصية العمل والمعرفة وقيم العصر التكنولوجية والبشرية والمعلوماتية، ويُعد البعد عن آلية الرقابة ومبدأ المحاسبة وتخلف المجتمع المدني وضعفه وضحالة التقاليد الثقافية العريقة الموروثة وسوء العادات الاجتماعية المتبعة صنوفاً مختلفة من أوجه الفساد، ولعل السيطرة التاريخية للعديد من الدول على شتى مفاصل الشؤون الاقتصادية والصناعية والحياتية المختلفة مهّد الأرضية وخلق فرصاً ذهبية لتغلغل أذرع الفساد وجني الأموال الطائلة من غير وجه حق من قبل جزء كبير من ضعاف النفوس وأعداء الوطن.

د. بشار عيسى


طباعة   البريد الإلكتروني