بصمات رجال...

الوحدة - 3-6-2020

 

يجد الباحث النهم في أعماق صفحات التاريخ الناصعة والمشرقة العديد من عظماء الأمة، وقادتها على المستويين الإقليمي والعالمي ولعل المتتبع لعموم الأحداث التاريخية على أرض العرب، والآثار الباقية على كل حبات ترابها، يرى تعاظم الدور الهام في بناء الحضارة البشرية، وتأثيرها على حركة الأمم، وقد اختزلت الأرض العربية كل الحركات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية للبشرية، فكانت مسرحاً عالمياً، ومهداً حقيقياً، انطلقت منه المعرفة، وأنارت بشعاعها بقاع العالم أجمع، ويرى كل مراقب أن هذه الأمة خُلقت للعطاء من خلال ولادة قادة عظماء تركوا بصماتهم الراسخة على مجمل نمط حياة الشعوب وحركة سير الحضارة عبر العالم، وقد تجلت آثارهم بحق كلاعبين رئيسيين في الأحداث التاريخية، ونقل المعرفة عبر سائر الحقب الزمنية الماضية والحاضرة، مما جعل البحر الأبيض المتوسط بحراً مشعاً سجل في أعماقه أفراح وأتراح شعوب العالم، وكتب حروف التاريخ البشري على صفحته الرقراقة.

خرج هاني بعل من رحم أمة عظيمة متمردة على الطغيان، وكان قائداً عسكرياً فذاً، تخطى كل الحدود، وعبر الموانع الطبيعية لمقارعة الرومان في عقر دارهم، ليهدم أسوارهم، وقد أبدع هاني بعل في تذليل أقسى ألوان الصعاب للوصول إلى أهدافه المرجوة، فكان من أعظم القادة العسكريين في أوان عصره الذين عرفهم التاريخ، وبسط نفوذ عرش قرطاج على رقعة واسعة من خارطة الجغرافيا، وأعاد حيوية وتألق قرطاج من خلال بسط الحقوق، وكل نصوص القوانين على كافة المدن الفينيقية، وسعى بجد وعزيمة إلى تعزيز مجمل الموارد الاقتصادية والبشرية وتطوير النظم المالية، وجعل من جيشه الجرار مثالاً قتالياً ونموذجاً حياً يُحتذى به ومميزاً بعقيدة راسخة.

وتستمر حركة التاريخ بقيادة الأباطرة البارزين، وها هو الإمبراطور كاراكالا السوري الأصل، والذي يُعد من أبرز الأباطرة الذين تركوا آثاراً هامة على مختلف الصعد الحياتية من خلال فتح أبواب إدارة الإمبراطورية الرومانية أمام رعاياها، حيث أصدر مرسوماً ساوى من خلاله بين جميع رعايا الإمبراطورية الرومانية من حيث الخضوع لقانون واحد يضمن فيه شتى الحقوق الأساسية والحريات السياسية وحتى الاجتماعية، ورُغم أنه قد حكم الإمبراطورية بحزم وقسوة إلا أنه في الوقت نفسه كان مثالاً يُقتدى به في التواضع وحُسن المعاملة لشعبه وجيشه، فقد عاش بينهم، وأكل معهم، واستمع لطلباتهم، وعالج مشاكلهم، كما أنشأ المراكز الثقافية والحمامات الكبيرة التي ما زالت آثارها قائمة بشموخ، إضافة إلى المكتبات التي تزينت بالفسيفساء المتوسطية، وكُسيت بأبهى الرخام والمرمر والتماثيل الرائعة التي أبدعها الفنانون السوريون.

وإلى فيليب العربي الشخصية السورية الأكثر أهمية على الإطلاق في تاريخ حركة الإنسان السوري من حيث وصوله إلى العالمية، فهذه الشخصية تربعت بجدارة على أعلى قمة إدارة الإمبراطورية الرومانية الواسعة الأرجاء والمترامية الأطراف، وقد نشأ فيليب الإنسان وترعرع ضمن بيئة أصيلة تؤمن بالحرية، وتتميز بالإبداع الخلاق والطموح الراقي من خلال تاريخها الراسخ، وقد أبدع فيليب العربي في إثبات ذاته كقائد متميز ومحنك في ميادين القيادة، وعندما أصبح إمبراطوراً ظل مثالاً للإنسان البار بوطنه والمخلص لجذور بلده، وكانت من أبرز إنجازاته وأعمق خطواته هي تطوير جيشه الإمبراطوري لبسط الأمن والدفاع عن حدوده، وكان قد أكد مراراً على تفعيل دور المؤسسات الجاد في إدارة الدولة، وضرورة التمسك بالمبادئ الشرعية والرقابة الشعبية، وكذلك فقد أعطى لزوجته مارينا سيفير الحمصية الأصل دوراً بارزاً وهاماً في إدارة شؤون الدولة على شتى الصعد، وتميز بأنه كان شديد الاهتمام جداً بمدينته الأولى (شهبا) فأشاد فيها المباني العديدة والمعالم المميزة التي ما زالت راسخة للعيان وباقية للتاريخ حتى يومنا هذا.

د. بشار عيسى


طباعة   البريد الإلكتروني