بين زُرقتّي البحر والسماء

الوحدة : 2/6/2020

 

البَوْنُ شاسعٌ بين من يمتلك النفائس, وبين من يشعر بها, فالامتلاك ينحصر بالمعادن النّادرة أو الأوراق النّقديّة، أما الشعور بها فيبدأ بالهواء والماء والشّمس والدّفء والصّحة.

صاحب الشّعور يقدم الامتنان, فهذه الأشياء تكفي الآخرين وتبعده عن إحراجهم لو طلبوا منه حاجة منها, ولن يطلبوا فجريان النّهر مثلاً يجعله يتخيّل مشهد الذين بانتظاره. أما هو فدائم الرّجاء بوصول تدفقه إليهم.

أحد معارفي الذين أبعدتهم الحياة عن  مباهجها, كان دائم الانكسار والتّوسّل, يتحسّر تارة وينتقم أخرى, وكان دائم القول: لم أخبِّئ خطوة أو كلمة في عملي الوظيفي الذّي تركني في ضائقة دائمة , وغيري خبّأ كلّ شيء واتسعت له الحياة.

مؤخراً اشتد مرضه ونقل إلى مشفى المدينة, وأثناء زيارتي كانت تستولي عليه فكرة الخروج سليماً معافى, ليكون أسعد من ذلك الذي اقتطع من قمّة (إفرست) قبعةً يعتمرها!

قلتُ له: المرض محتوم كانتقال الفصول، أمّا  الصبر عليه وعلى الشدائد جسر معلق يضمن العبور فوق كل العقبات, ومن حظي بنعمة الصبّر, كان له من زرقتي البحر والسماء جناحان يخفقان أملاً بحجم نصف العالم.

عد تلك المقدمة: أطرق ملياً ثم قال: كل الأيام التي تتحرك في ذاكرتي, سأتركها للماضي, وسأرسل اعتذاري للقادم من الأيام, مع التأكيد على ترويض مشاعري, بعد أن اكتشفت أن المرض وحده يقوّي الأواصر والصّلات, ويستعجل مجيء الصحة, والبعيدة عن سجلات الأرقام التي يذهب أصحابها وتبقى هي لوحدها مخبوءة كما يختبئ الجفاف في الرمال.

سمير عوض


طباعة   البريد الإلكتروني