الشفافية فقط...

الوحدة : 17-5-2020

من يظن أن إمكانيات الدولة لم تتأثر بعد عشر سنوات من الحرب، يكون منفصلاً عن الواقع، أو مؤجراً عقله للشيطان.

كل مواطن عاقل يدرك أن الأزمة لم تكن عابرة، ويعرف أن حرباً شعواء شُنت عليه، ولم يبق أربابها (الحرب) وسيلة لدحره وقهره إلا واستخدموها، ولسنا بحاجة إلى دليل على عمق المعرفة لدى السوري الأصيل بعدما رأيناه يزف فلذة كبده شهيداً مخلداً كرمى لعيون وطنه، وفداء لشموخه وكرامته.

العرض أعلاه لا بد منه لكي نؤكد المؤكد، ونشيح من خلاله بطرف المسؤولين عن لقمة عيش هؤلاء إلى مقابلتهم بنصف المثل لا أكثر، أو حتى بربعه.

ما يطلبه المواطن الصابر من مسؤوليه ليس تعجيزياً، أو ضرباً من المستحيل، بل جل رجائه أن يضعوه في صورة المستجدات، وأن يشاركوه القرار، ويستأنسوا برأيه قبل أن ينام ويستيقظ على واقع لم يألفه.

ثبت بالدليل القاطع أن المواطن متقدم على دائرة القرار المعيشي بأشواط، وتجلى الوعي والفكر لدى الشريحة العظمى من السوريين في أكثر من مناسبة، فقد عركت الحرب هؤلاء، وبات أغلبهم يفهم أي معادلة جديدة بالإيماء والتلويح، لا بالشرح والتصريح.

عندما طرح تسلسل استلام أسطوانة الغاز حسب الدور، لم يضج المجتمع، ولم يعترض، وعندما حُددت المدة بـ٢٣ يوماً، لم تحدث بلبلة في الشارع، ورضي الجميع بالواقع بشرط التزام الجهة المعنية بالتوزيع العادل، وعندما تضاعفت  المدة الفاصلة بين الأسطوانة والأخرى إلى خمسين يوماً، لم تقم الدنيا ولم تقعد، فقد علقت في أذهاننا عبارة المسؤول التي قال فيها: (ستتقلص المدة عند توفر المادة)، وهنا أدركنا أننا نعاني من نقص حقيقي في المادة، وعرفنا أن أرباب الحرب هم السبب، فصمتنا، وتكيفنا، ومارسنا عمليات احتيال على أسطوانة الغاز كي نبقي أثراً لها في منازلنا لحين وصول دورنا من جديد.

في سياق متصل، اختفت قبل فترة أيقونة الشاي والزيت من بيانات البطاقة الذكية، فاستغربنا الأمر، ولكننا أيقنا أن هناك مشكلة، وعرفنا السبب عندما خرج علينا مدير عام السورية للتجارة ليخبرنا بأن القصة تتعلق بعدم توفر المواد، وهي ستعود إلى بطاقات المواطنين عند توفرها، فرضينا بالواقع عن قناعة وسماحة نفس.

 إذاً، نحن بالمطلق أمام مشكلة الشفافية لدى المسؤول، وعدم قول الحقيقة في الوقت المناسب، فعندما يحدث أي أمر طارئ، نستطيع قبوله والتماشي معه بشرط أن يضعنا صاحب القرار بصورة المتغيرات وأسبابها، لا أن يدير لنا ظهره، ويتركنا نخمن، ونبصر، ناهيكم عن أن طرح المشكلة للرأي العام قد يساهم في إيجاد الحلول المناسبة للتغلب عليها، فلدينا عقول خارج دائرة القرار، تتفوق بدرجات على من يجلسون على الكراسي، وبإمكان المسؤول استنباط الحلول الصائبة من طروحاتهم التي تعج بها مواقع التواصل الاجتماعي.

المستجد اليومي هو جنون الأسعار، وبلوغها حداً لا يطيقه المقتدر، فكيف بمن حُدد سقف معيشته براتب هزيل أو يومية لا تغني ولا تسمن، وأصبحنا أمام سيل من الأسئلة لا تلقى من يجيب عليها.

من يرفع الأسعار؟ من يقهر مدخرات المواطن؟ من يرهقه، وينكبه، ويجعله أسيراً لشيطان نفس المتحكم بالأسعار؟. هل هو جني أو أنسي؟، هل هو خيال، أم حقيقة؟، هل هو فرد، أم مجموعة، أم منظومة، أم عصابة؟، لا أحد يعرف!!.

يومياً يصرخ المواطن المسكين بأعلى صوته، ولا مجيب سوى الشعارات، وضبوط حماية المستهلك، ويبقى المتغير  الثابت هو ارتفاع يُراكم فوق ارتفاع، والجاني يتحرك كالشبح بين ظهرانينا، فلا شرطة تحوز عليه، ولا قانون يحكمه، ولا نسمع سوى ضحكته اللئيمة فوق رؤوس ضحاياه، ونعش الأمل يُزف مع مطلع كل صباح إلى مثواه الأخير.

هنا تغيب الشفافية، ويحضر الغموض، ولا بد للمسؤول عن لقمة عيشنا أن يقول لنا الحقيقية، فإن كان الأمر ناتجاً عن جشع، وقلة وجدان لمجموعة أو أشخاص، سندين من لا يوقفهم عند حدهم، وإن كان الحصار والعقوبات هي السبب، فسنرفع عنكم بعض اللوم، وسنطالبكم بإيجاد حلول مستعجلة لإنقاذ جيوب المنهكين.

بقي أن نسأل عن العبرة من صرف الرواتب يوم غد، فهل الأمر مدروساً؟، أم (شغل ساعتو يا سندي).

غيث حسن


طباعة   البريد الإلكتروني