إلا إذا..

رقــم العــدد 9539
الخميــــس 27 شبــــــاط 2020


كيف نخرج مما نحن فيه، ومتى يستعيد المواطن ثقته الكاملة بالخدمات الأساسية؟
(البحث عن الزمن المفقود) عنوان يشغل تفكيرنا أكثر بكثير من الرواية التي نُظمت تحت هذا العنوان!
من البيت إلى مكان العمل وبالعكس كم وجعاً (يألفه المرء) وحنينه إلى أيام كانت الألف ليرة فيه تغطي طعام يومين .. ثلاثة!
كيف نساعد الدولة فنساعد أنفسنا، أم نكتفي بالجحود ونحن الذي عصرنا ضرعها ولم يكن رد جميلنا لها إلا في حدود ضيقة جداً؟
نشرنا قبل مدة وتحديداً مقالاً بعنوان (شطف الدرج من فوق إلى تحت.. من يجرؤ على ذلك؟) ماذا سيحدث لو فعّلنا الطرح من جديد أو تمّ العمل بمضمون ما كتبناه، ومن سيفعل ذلك؟
معادلة يرفضها المنطق ويعززها الواقع: كلما زادت مساحة الانتصارات قلّت الخدمات والتهبت الأسواق.. سنشرحها على (قدّ فهمنا)!
الأساس: مازلنا نخوض حرباً، وعلينا أن نستمر بدفع فواتيرها وتكاليفها وهذا أمرٌ لا يزعجنا، ما يزعجنا حقاً هو من يستثمر فينا وبوجعنا تحت مسمّى الحرب!
للوطن كل شيء يهون، ومن الطبيعي أن يتسابق المزاودون إلى الواجهة لـ (تبييض قبائحهم وأموالهم)، ومن الطبيعي أيضاً أن يبقى المضحي مضحياً لأنه هكذا بكل بساطة، والشمس تشرق على الغث والثمين ..
من باب (المداورة) يمكننا القفز فوق (الخبز والمازوت والكهرباء... إلخ) إلى ما فعلته الأيام بنا (فوقياً)، فغيرت قناعات وأعادت تموضع اصطفافات، فهل بيننا من يقدر على قراءتها بـ (موضوعية)، وإن فعل ذلك هل سيجرؤ على التصريح؟
نشكر أي مسؤول في قطاع خدمي ما إن أنجز بـ 75 % مما يخصص لبلديته، (وعلى حد تعابير إخوتنا المواطنين العاديين: يأكل الباقي) ربما لأنه رسخ في الذاكرة حجم موجع لفساد سابق وقد يكون مستمراً، لذلك نفرح عندما يُقسم البيدر بهذه الطريقة!
نحنُّ إلى ذكريات، وإذا ما أردنا تقليبها فاض الوجع من كل اتجاهاتها، فنعيد طمرها عسانا بذلك نحافظ على أصابعنا العشرة دون حرق.
باختصار، (دبّر رأسك)، عضّ على الوجع، فأيّان تحرّك بك الألم، فليس ثمة ما يبردّه إلا الأخبار القادمة من ميادين الشرف، ومواكب شقائق النعمان المزدحمة على شفة زغاريدنا وأهازيجنا، هنا، حيث كتب الله لنا فخراً لا يضاهيه فخر، وخصّنا بـ (الطهر) يكتبه الأشاوس بدمائهم، ولئن أردنا أن نكون (طبيعيين) فالوفاء لهم، لسهرهم، لبطولاتهم، لتضحياتهم، ولكل حبة تراب تزينّت بمداسهم، وماعدا ذلك (قلّة أصل) لا يليق بنا أن تكون من صفاتنا...
من كل بيت خرجوا، ومن أجل كل بيت ضحّوا واستشهدوا ومازالوا يضحّون ويتسابقون إلى الشهادة...
وحدهم (حماة الديار) يستطيعون أن يجيبوا على أسئلتنا ويرفعوا حيرتنا، ويحرروا خوفنا من الآتي، ولأنهم كذلك ولأن الشمس تتوضأ من نتح جباههم، ولأنّهم (كل القصة) لن نرى الوجود إلا جميلاً، وكل شوكة تنبت في هذا الفرح يجب اجتثاثها وفاء لهم.
إن كان الضمير صاحياً فسنختصر الكثير من الجهد، ونطوي الكثير من المراحل، وإن لم يكن كذلك لدى البعض فعلى القوانين والإجراءات أن تصحّيه...
إلغاء (الأسباب المخففة) والضرب بـ ( قبضة مسؤولة) على كل يد عابثة بتفاصيل حياتنا...
نوفّر الليرة فوق الليرة لنؤمن مصروف أبنائنا الساهرين على الزناد، وبالتالي فإن من يحاول سرقة هذه الليرة مجرم وإرهابي لا شفقة عليه واقتلاعه واجب وطني...
لا تزيدوا الرواتب فهناك من يسرقها، ولا تخفضوا أسعار الخدمات لأن كلفة إنارة (مزروعة خاصة) تعادل كلفة إنارة قرية، وشخص واحد يتردد على هذه المزرعة مرة بالشهر سيستفيد من التسهيلات بما يعادل أهل قرية، هذا إن كان من الأساس يدفع!
سهّلوا الحصول على (الشاي والرز والسكر) في صالات السورية للتجارة فربما هي الأشياء الوحيدة التي لا يزاحمنا عليها (الأثرياء)، وزيدوا كمية المخصصات فإن ذلك (حسنة جارية) ومن السهل جداً زيادة مخصصات (السورية للتجارة) من نسبة المستوردات!
فكّروا بالأسباب التي أحدثت الخلل بتوزيع الغاز، ولماذا لم يستطع نصف المواطنين شراء مخصصاتهم من مازوت التدفئة!
راجعوا (ضبوطكم الحراجية) فستجدون أن نسبة كبيرة منها هي بحق مواطنين حاولوا تأمين الدفء لأبنائهم ولم يستطيعوا رشوة خفرائكم!
عندما ننتبه لهذه التفاصيل، ولا تتساوى ضريبة الدخل على راتب الموظف مع ضريبة دخل تاجر كبير، سيكون بإمكاننا الصمود أكثر..
المشكلة هي كما شخّصها السيد الرئيس بشار الأسد بالمسافة بين المواطن والمسؤول، لا أحد يسأل أبناءه إن كانوا جائعين، فمواعيد الطعام معروفة، ومن واجب الأهل أن يقدموه لأبنائهم لا أن ينتظروا شكوى الأبناء من الجوع، والمسؤول إن كان لا يعرف ما يحتاجه المواطن فليس جديراً أن يكون (مسؤولاً)!
حتى نخرج مما نحن فيه من ضيق ومعاناة، لا يلزمنا أكثر من (ضمير)، وحسن توظيف للإمكانيات المتاحة ومساواة ولو بلون الظلم لأن المساواة في الظلم عدل.
إعادة الثقة بالخدمات
نفس المخصصات والكميات والمعاناة في جميع أفران سورية، فلماذا يكون خبز (بيت ياشوط) أفضل من خبز (فرن دمسرخو)؟
مخصصات الكهرباء لكل محافظة معروفة الكم ومتناسبة مع حجمها وعدد سكانها... إلخ، فلماذا في مكان ما يستقر نظام التقنين وفي مكان آخر يكون هناك تقنين ضمن ساعات التغذية؟
نظام التقنين الحالي (3 بـ 3 ) مجرد ضحك على اللحى ويتحول إلى (2 بـ 4) بأحسن حالاته، وحتى عندما كان (2 بـ 4) كانت تقتطع نصف ساعة من ساعتي التغذية..
في المياه، بالكاد تصعد المياه إلى الطابق الأول في معظم أحياء اللاذقية.. منظر مضخات المياه في مدخل كل بناية يختصر الحكاية، لكن كيف تعمل هذه المضخات بدون كهرباء، وماذا عن شخص ليس بمقدوره أن يضع مضخة؟
تعرفة الركوب بـ (السرافيس) من اللاذقية إلى فديو (55) ليرة لماذا ليست (50) ليرة والـ (5) ليرات الأخرى تكلّف كل راكب (20) ليرة فوقها مهما علا الحديث عن إجبار السائقين التقيّد بالتعرفة الموضوعة، أنتم وضعتم هذه التعرفة لتجبروا السائقين على الفساد وقبض (20) ليرة زيادة! اشتغلوا على الأسباب، واجعلوا (الكسور) لصالح المواطن لا عليه!
البحث عن الزمن المفقود
لن تعود سندويشة الفلافل بـ 50 ليرة، ولن تعود أجرة الركوب من اللاذقية إلى طرطوس (100) ليرة، وسيبقى كيس الشيبس بـ (200) ليرة وما فوق.
ربما سلّمنا بهذه المواجع، وكل ما نبحث عنه هو تخفيفها، إذ من غير المقبول أن يكون سعر كيلو البصل الأخضر ألف ليرة وهو من إنتاج أرضنا ولا يكلف 10% من سعر مبيعه، ولو كانت هذه (الألف) للمنتج لـ (بلعناها)!
إياك أن تفكّر بـ (الجبنة) فإن سعرها كالعقرب سيلسعك فوراً.
تصريحات الأعلاف والجمعيات الفلاحية وكل الجهات ذات العلاقة توهمك أنها تخفّض تكاليف الإنتاج إلى النصف لكن الاستجابة الداعمة لهذا (الدعم) هي مزيد من جنون الأسعار!
من البيت إلى العمل!
لا تلتفت كثيراً إلى (الحفر) هنا وهناك، ولا تسأل عن الإنارة الشارعية فـ (الزفت والإنارة) كماليات ليس وقتها الآن...
أكوام القمامة اعتدنا رؤيتها وروائحها، وإشغالات الأرصفة رغم كل حملات إزالتها مازالت على حالها وخاصة في الأحياء البعيدة عن العين..
التعديلات المرورية أربكت، وليس عندي مقياس لتقييم صوابيتها من عدمها، ويبقى الأهم أن يحضر الالتزام بها وإن كان بعضها غير منطقي كمنع الدوران في مدخل شارع الثورة أمام جريدتنا واضطررنا للذهاب إلى عند (القيادة البحرية) لننتقل إلى الطرف الثاني من الشارع!
فرن تشرين في مكان لا يتسع لوقوف أكثر من (10) سيارات وفي معظم الأحيان يتم توزيع الغاز أمامه، ولك أن تتخيّل المشهد!
في شارع 8 آذار على سبيل المثال، وإذا ما دعتك الحاجة إلى عمل هناك أين ستركن سيارتك؟
تضطر أحياناً للفّ والدوران نصف ساعة في المكان حتى تُفرج عليك بإقلاع إحدى السيارات التي سبقتك إلى المكان!
في حي الزقزقانية (التعبان جداً) لن تجد شقة للإيجار بأقل من (50-60) ألف ليرة، فأين يذهب المحتاجون؟
كيف نساعد الدولة لتساعدنا؟
بداية، إذا قصّرنا كمواطنين، فلا ننتظر أن تعاملنا مؤسسات الدولة بالمثل! يعني، إذا لم نلتزم بمواعيد إلقاء القمامة، ليس مسموحاً للبلدية أن تترك (الزبالة) على مداخل البنايات (نكاية فينا)، ويوم الجمعة على سبيل المثال يُنتج 50% قمامة زيادة وإن كان من حق عمال النظافة أن يستريحوا يوماً في الأسبوع، فمن واجب دوائر النظافة أن توزع عمالها على ورديات، منها ما يغطي يوم الجمعة...
نحن مقصّرون بواجباتنا أو بالقسم الأكبر منها فيما يخص حرصنا على الخدمة العامة.
غيرة أم ماذا ؟
كل شيء قيد التقنين إلا (الأنترنت)، لم يجد القائمون على الاتصالات هذا الأمر لائقاً بهم (وما حدا أحسن من حدا)، لك أخي المواطن آخر ابتكاراتنا (ميغاوات وغيغاوات) محدودات لأن الرفاهية الزائدة تفسد المواطن.
اعتباراً من 1-3-2020 سيتم العمل بتحديد مساحة محدودة لقاء كل نوع اشتراك، أي أن الأنترنت هي الأخرى لم تعد فضاءً مفتوحاً!
ماذا بقي خارج التقنين، وأي جديد سيطل علينا فجأة ؟ حقاً إنها سنة كبيسة..
من إنفلونزا الطيور.. إلى كورونا
كنّا صغاراً، كنا نراقب الدجاجات حول البيت، وما إن تترنح دجاجة أمامنا حتى نهرول فرحين لنخبر والدنا بأن دجاجة توشك أن تموت، فيذبحها ونولم عليها ما لذّ وما طاب... البعض كان يسميه الطاعون أو (الوجعة) ونعتقد أنها (إنفلونزا الطيور) ولم يكن يصيبنا أي مكروه...
لم تكن هناك شركات أدوية يجب أن نمرض من أجلها، الآن نتحدث عن (كورونا) كمن يشتهي قدومه، ويهزأ بكل التقارير الطبية الرسمية التي تنفي وصوله إلى سورية... حتى الجراد نتحدث عنه وكأننا نحسد غيرنا عليه..
وعلى الحكومة أن (تحلف) بأغلظ الإيمان أن اللقاحات التي تقدمها مجاناً لأطفالنا هي لقاحات مفيدة، وعليها أن تسيّر فرقاً جوّالة ومع هذا لا تكون الاستجابة كما نشتهي دائماً! هذا الجسر المتصدّع بين القائمين على خدماتنا وبيننا لم يتصدّع صدفة!
معادلة... ليست بالمقلوب!
استغربتُ من استغراب البعض حول تراجع الخدمات مع اتساع رقعة الانتصارات التي يحققها جيشنا البطل..
القصة باختصار إن المناطق الجديدة العائدة إلى السيادة الوطنية بعد دحر الإرهاب منها بحاجة إلى اعتمادات وخدمات كثيرة، ومن الطبيعي أن تُقتطع هذه الخدمات من المناطق التي سبقتها إليها... هكذا فهمنا التبريرات وعلينا أن نتقبّلها ونعتبرها مؤشراً (إيجابياً).
في الجدّ، نعترف ونعرف أن أعباء كثيرة تتحدى عودتنا إلى ما كنّا عليه، لكن أن يطول (التذرّع) بهذا الأمر فهو أمر مزعج، فكما تتطلب المناطق المحررة خدمات وإمكانيات فهي ستضيف موارد، وبالتالي فإن التوازن هو ما يجب أن يكون.
السبت.. يوم زائد
قد يكون هو السبب في كل ما يحدث... عن يوم 29 شباط نتحدث، فهذا اليوم (الزائد)، ربما لم يحُسب حسابه في خططنا وموازناتنا، من حسن حظ الرجل الذي يتزوج امرأة من مواليد 29 شباط فبإمكانه أن يكتفي بهدية كل أربع سنوات!
لماذا نقول عن السنة التي يكون شباطها 29 يوماً كبيسة؟ سنحاول الإجابة على هذا السؤال لاحقاً.

غانــــــم محمــــــد

 


طباعة   البريد الإلكتروني