بين الشط والجبل .. الهديــــة الأجمـــل

العدد 9539
الخميس 27 شباط 2020

 

لعل أجمل وأغلى هدية تلقيتها في حياتي كانت قبل أيام عندما قدّم لي أحد الأصدقاء أسطوانة غاز بعد انقطاع طويل دفعني لارتياد المقهى القريب واحتساء فنجان قهوتي المسائي وسط غيمة دخانية تتشكل في جو المكان مصدرها مدخنو الأراكيل وأغلبهم من الجنس اللطيف .
الهدية أفرحتني تماماً كما يفرح الأطفال بهدايا العيد، لم أعرف بأي لسان شكرت صاحب الهدية وبقدر ما حاول صديقي التقليل من قيمتها كنت أجهد نفسي في تدبيج كلمات الشكر والامتنان على شهامته وسخاء يده في هذا الزمن المتصحر بفعل تضخم الأنا وورم الذات وتسيّد شعار أنا ومن بعدي الطوفان.
أسطوانة الغاز تلك وفّرت عليَّ مواجهة يومية مع إم العيال غالباً ما كانت تنتهي بهروبي من المنزل إلى ذلك المقهى لأعود بعد ساعات محملاً بحوالي ألفي مادة سامة يوزعها دخان الأراكيل على الحاضرين، فالخطورة وحسب الأبحاث العلمية ليست مقتصرة على المدخنين بل على من يحضر مجلسهم أيضاً.
هدية صديقي أعادتني إلى ما كان قاله علي بن الجهم: الهدية هي السعر الأكبر، كأن ابن الجهم غاص في أعماق النفس البشرية، وقرأ ما ينعكس عليها من تأثير الهدية التي تحرك مكامنها فترضيها وتبعث فيها إشراقاً وتهللاً لم يكن ليبعث لولا سحر تلك الوافدة الكريمة التي لا يسلم من سحرها حتى من لا يحتاجها.
بالعودة إلى أسطوانة الغاز التي تم حصر توزيعها ببطاقة ذكية أجد نفسي مدفوعاً للاعتراف أنني أقف على الجمر منذ أيام مترقباً متلهفاً ورود رسالة تخفف حرارة الجمر تحت قدمي مرات ومرات دخلت على برنامج تكامل لأجد دوري إلى ازدياد وليس إلى نقصان.
حكايتي مع أسطوانة الغاز والهدية الأجمل التي تلقيتها قصصتها على أحد الأصدقاء فقال: يا أخي أنت وجدت من يسعفك أما أنا فمنذ بداية الشهر أنتقل من معتمد لآخر علَّ عدد المسجلين لديه يكون أقل واليوم وبعد عدة محطات بين المعتمدين استقر اسمي على رقم يفوق الألف ضحكت من أعماقي وقصصت عليه حكاية تناقلها المجتمع الشامي أيام الاحتلال العثماني ذلك الاحتلال الذي لم يترك أثراً واحداً على تحضره وتمدنه بل ترك آلاف الصور والحكايا عن همجيته وتخلفه، إبان ذلك الحكم كانت وسيلة الإعدام الوحيدة هي الخازوق، وعندما يصدر الحكم بأحد ما تنتصب الخوازيق في ساحة المرجة ويسمح للمحكوم عليه أن يختار واحداً منها . . وبقية الحكاية تعرفها.

 

ابراهيم شعبان


طباعة   البريد الإلكتروني