وقـال البحــــــر...العقل الاقتصادي

العدد 9538
الأربعاء 26 شباط 2020

 

 يتأثر العقل بتطورات النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المختلفة ولذلك فالعقل الاقتصادي شهد تقلبات فكرية عبر مسيرته الطويلة منذ تأسيس علم الاقتصاد الذي كان بدوره انعكاساً للنزعات الفلسفية التي تقوم على تعظيم مفاهيم المنفعة والربح باعتبارهما يمثلان جوهر السلوك الاقتصادي، ولا شك في أن علم الاقتصاد باعتباره علماً اجتماعياً فهو يبحث عن توليفة فكرية جديدة ويمر بأزمة عميقة في ظل وجود نزعة متزايدة لعدم التصدي للقضايا الأساسية في مجال التوزيع والتراكم على النحو الذي ألحت عليه عدد من المدارس والمشارب الاقتصادية وقد تجلى ذلك بشكل واضح في نوعية ونمط الكتابات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة.
لعل انحصار الدور المحوري في توجيه العملية الاقتصادية والاعتماد على آليات السوق أدى إلى الاختفاء التقريبي للدراسات الخاصة بالتخطيط الاقتصادي وقد رافق هذه الموجة مغالاة جلية في استخدام أساليب الانحدار الإحصائي بين المتغيرات الاقتصادية دون الاهتمام بعلاقات السببية الحقيقية التي تربط بين المتغيرات ولا سيما العلاقات التي تعبر عن جوهر العلاقات الاقتصادية ذات التأثير المتبادل بين المتغيرات، وعلى الضفة الأخرى فقد ازدهرت فروع جديدة في علم الاقتصاد تتواءم مع صعود الفروع الأكثر ازدهاراً هذه الأيام، وفي ظل تلك الانعطافات يُلاحظ أن المساهمات في علم الاقتصاد قد تحولت إلى مجرد هوامش في كتب علم الاقتصاد ويمكن للناظر والمتفحص الدقيق لحركة الفكر الاقتصادي التمييز بين نزعات تتصارع في ثناياه وهي النزعات المادية التاريخية والنزعات المثالية والنزعات الوضعية المنطقية ومن الواجب الاعتراف بأن العديد من الكتابات الاقتصادية يصعب عزلها عن التيارات الفكرية المتصارعة في كل حقبة ولذلك لا بد من فهم الكتابات الاقتصادية ضمن السياق العام والتاريخ الذي وردت فيه، وتُشير العديد من الدلائل إلى أن الفكر الاقتصادي قد أصبح أقرب إلى الفكر الرسمي وتحولت العديد من المواقع الفكرية والاقتصادية إلى مواقع مؤسسية شبه رسمية تُكرس السياسات والتصورات الرسمية وأشكال و صيغ العمل الاقتصادي وآليات الإنماء التكاملي المختلفة.
على الصعيد العام لم يستوعب بعد العقل الاقتصادي دور المتغير المعلوماتي وتداعياته على الحياة الاقتصادية والاجتماعية وأنماط السلوك الاقتصادي ولم يواكب التطورات الحديثة في شتى نواحي الحياة الإنسانية حيث ظل قانعاً بالتفسيرات المبسطة لوقائع الحياة، ويُلاحظ أن العقل الاقتصادي يظل بالأساس في تجلياته يتحدث عن المنافسة الكاملة في عصر الاحتكارات في زمن حرية الاختيار للمستهلك بوقتٍ تتشوه فيه التفضيلات بفضل سطوة الإعلان في ظل العولمة ومع مصطلح فشل الأسواق الذي يعيش فيه معظم الناس حالياً يميل العقل الاقتصادي إلى التجريد المبالغ فيه تهرباً من مواجهة الواقع الاقتصادي الحالي المعقد، ومع نأي العقل الاقتصادي عن تداخل المجالات المعرفية المهمة بحقله الخاص يفقد القدرة على الفهم الجدلي للظواهر الاقتصادية المختلفة ويعجز عن إقامة الجسور مع شتى الفروع التي تحقق القدر المطلوب من التفاعل المتبادل الذي يساعد في رفع مستوى التحليل والتنبؤ.

د. بشار عيسى


طباعة   البريد الإلكتروني