وقـال البحــــــر ..كنسوا قلوبكم

العدد: 9532

الثلاثاء:18-2-2020

 

أوشكت الشمس على مغيبها، والرياح الغربية تسوق مطراً متسارعاً غطى كل الأودية، وألبسها جلباباً من ماء، انزاحت كمية الضباب الـ (كانت) عالقة على العيون، نزعت حجابها فبان كل مخبوء وانهالت بسمات راحت تعوم في بحر من اللهفة.
***
في أول لقاء بعد نأي وجده مهموماً،حزيناً، وقلقاً، سأله: ما الذي أحزنك فصيرّك مهموماً؟ نظر في عينيه وأطرق واجماً . .
أعاد عليه السؤال بصوت أقوى، فأجابه: ما يحزنني يا صديقي، أنني أقسمت ألا أسأل الآخرين حاجة يقضونها لي، بل كنت أدعو أن تستمر مقدرتي على قضاء حوائج الآخرين، لكني حنثت يا صديقي وسألت فلاناً حاجتي وليتني لم أسأله . .
***
افترّ وجه صاحبه وقال: لا تحزن يا صديقي، كان عليك أن تعي أن في الحاجة مؤونة عن حاجتها ولكي لا تسأل كيف أقول: أليس أي مفتاح يحتاج إلى قفل؟ ثم أليس القفل والمفتاح يحتاجان إلى وجود الباب؟
قلت: بلى . .
إذاً، لا تستعبد صديقك. فحاجتك إليه كحاجته إليك، ولا تكن كأولئك الذين يقضون عمرهم يتضرعون إلى الله ليخفف آلامهم، ويزيح أعباءهم، وإني لأعجب كيف يطلبون منه ذلك وقد أعطاهم كل المفاتيح (وهديناه النجدين) وقل (اعملوا فسيرى الله عملكم) ثم (واسعوا في مناكبها) وفي كل ذلك غنىً عن حاجة السؤال.
وتابع: ليكن لديك دائماً الأمل، فالأمل يحميك من الخوف، وليكن لديك أيضاً الإيمان الذي يهديك صراطك وكلاهما يخلصانك من الخوف والقلق والألم . .
يقول ميخائيل نعيمة: (أعطوا العميان شبه سلطة فيفقأوا عيون المبصرين).
***
كان حواراً مكحول الأجفان، واسع الحدقات يقظ القلب سريع النبض وكان الوعي فيه يطل من بروج عليائه وقد رسخ مفاهيمه، وكانت ضربات القلب منسجمة مع ذلك الفهم المقدس المتحد مع الفهم الكلي للذات الكلية.
***
كان حواراً جلا بسحره ما غشى من مفاهيم خاطئة امتدت بنا امتداد عمرنا يقول الحديث القدسي: (ما وسعتني سمائي وأرضي، بل وسعني قلب عبدي المؤمن) وقال ميخائيل نعيمة: (كنسوا قلوبكم جيداً، فالقلب النظيف حصن لا ينال).

سيف الدين راعي


طباعة   البريد الإلكتروني