وقـال البحــــــر ..جوهر الحياة

العدد: 9527

الثلاثاء:11-2-2020

 

ها، أسمع وقع حوافر المساء تدقّ عليّ بابي، والريح تزدهي بصمتها وتنسكب جداول جب وأقمار، ووقع خطاك يغني على الدرب الموصلة إلى قلبي.
***
قلبي خابية من حنين واشتياق، يمتطي فراشات من زنابق ويمخر خلجاناً من حبق وجلنار ويرتدي قمصاناً من أعشاب مندّاة، ينهض النور من عروقها، وينفتل الحب في اخضرار حناياها كانفلات السكارى . .
***
أستعيد عمراً مضى، يوم خبأتك في رمشي، وأغلقت عليك ذاكرة الأيام، فارتحل نهاري يوقظ المدار يموّج شعر الغيم، يمسّد أجفان الريح، يودع عصافير عينيك، ثم ينطرح كالموجة فوق شراع الأحلام.
***
أنا الآن أراقص ظلي، أعطيه وشوشات السواقي، وتموجات سوسنات حائرات ورأيت كيف راحت القصيدة تتوهج، وتفرش قافيتها على مفرش من ماء رقراق.
***
قلبي به دفقة من (جبّ الفوار) ودمعة من (نبع البارد) وتهويمة من (سفح الجرنيات) وضحكات من (ساقية ياسين) ورأيت كيف راحت كلماتي تتبعثر على شفتي، ورأيتني أمضي في حقول السنابل أطوّق عمري بكروم التين والزيتون، أشلحه على عناقيد دوالي (عيسى الخرسا).
جوهر الحياة هو التوق إلى الحياة، وجميعنا في رحلتنا العمرية كنّا كأصوات مسموعة وغير مرئية تحمل أنغاماً تطربنا. وجميعنا لم نكن نعرف النغمة التي نرغبها، كنا مشدوهين بعذوبتها كنا كالسكارى في حانات الأمل، وأقبية الخوف، الخوف من غدٍ، والأمل في غدٍ ولكم اشتهيت ساعتها أن أكون كدودة القز. كل ما تأكله وتطرحه يتحول إلى حرير . .
***
كل ما توصلت إلى يقين أنك قلبي، كانت تأخذني ومضة من فرح لكن كانت الشكوك لا تلبث تنبت في داخلي، ويبدأ القلق من جديد يساورني فأعود أبحث عن يقين آخر حتى إذا ما وجدته نبت شك آخر، وتوالد قلق آخر.
***
وهكذا بقيت الحالتان تتوالدان فيما بينهما، فتذكرت (كاتانزآلي) في قوله: ما (أجمل أن تحيا ومعك حواسك الخمس).
***
أخذت الشمس تودع نافذتي وراحت أزاهير الشفق تغفو على حوافي شباكي، وأسبلت أجفانها نخلتي، وطفحت خابية القلب بحبها، وأخذت الرعشات ترتاع في جوانحي كهديل عصافير في أوبتها لإغفاءة هانئة.

سيف الدين راعي


طباعة   البريد الإلكتروني