وقـال البحــــــر.. النســـر والريــــح

العـــــدد 9526

الاثنيــــــــــن 10 شــــــباط 2020

 

يعيش الراعي مع خرافه على سفح جبل، يسوقها في الصباح الباكر نحو المرعى لتأكل العشب الأخضر، وينطلق إلى صيد الطيور.
غمرته الفرحة حين فاز بنسر صغير غادر وكْره ليتدرّب على الطيران، وضعه داخل قفص صفّه من عيدان شجرة سنديان، تعلّقت الشمس الغاربة في الأفق مثل كرة حمراء مشتعلة، فعاد الراعي بقطيعه إلى القرية وهو يردّد أغنياته السعيدة، بينما الأولاد يلعبون بمرح، ويتسابقون على خيول من أغصان التوت، رأوا القفص فتصايحوا، وتدافعوا نحوه ابتسم الراعي وقال مفتخراً: امتلكتُ أخيراً هذا النسر صيادون كثيرون أرادوا اصطياده ، ولم يتمكّنوا من تحقيق أمنيتهم.
رفرفت طفلة بيديها كطائر يحلّق في الجو وصاحت: تحبّ النسور الجبالَ، وتطير فوق قممها العالية.
هتف أحد الأطفال: أهذا هو الطائر الذي يتحدّث عنه الرعاة؟!
قال ثالث: أين رفاقه ليلعب معهم؟
قال الراعي: يا صغيري النسور لا تلعب.
قال آخر مدهوشاً: نسر . . نسر في قفص!
جمع الراعي خرافه وقال للأطفال قبل أن يبتعد عنهم: سأقدّم له الطيور التي أصطادها.
ويوماً بعد يوم بدا كأن النسر اعتاد حياته الجديدة وكبر جسمه، والراعي يراقبه بابتهاج وحبور ويقول لمن يزوره: النسر أغلى الطيور التي اصطدُتها وأحبّها إليّ
وكثيراً ما كان يحمله إلى المرعى وهو في قفصه، وعندما يلمح نسراً كبيراً في السماء يتمنّى أن يشاركه في الطيران.
جاء الشتاء، وثارت الرياح، ارتفع هديرها، كما بلت الأشجار، وراحت تُصدر تأوّهاتها الباكية، فخلت الحقول من الناس، ارتعشت كلاب القرية، واجتمعت تحت سقوف البيوت.
خافت الخراف، وركض الراعي إلى الحظيرة ليتفقّدها، ويتأكّد من إغلاق الباب الخشبي، اطمأنّ عليها، ورجع إلى غرفته، والهواء يتلاعب به، أما الطائر فكان يتحرك في قفصه، وعيناه الحادّتان تبرقان، رأى الراعي فيهما شيئاً غريباً لم يفهمه.
جناحاه في الفضاء الواسع، تذكّر الصخور التي حضنته، ضاقَ بقفصه، بسط جناحيه قليلاً وبرز صدره كأنه يتهيّأ للانطلاق تأمل الراعي حركاته وتساءل: ماذا تريد يا طائري؟
عصفت الريح، وعصفت، هزّت الباب بعنف فتحته ينتفض النسر محطّماً قفصه، يجتاز الباب، يخفق بجناحيه القويين الكبيرين، ويتجه نحو أعالي الجبال.

عزيز نصّار


طباعة   البريد الإلكتروني