وقـال البحــــــر... تحت جسر المطر

العـــــدد 9522
الثلاثـــــاء 4 شــــــباط 2020

 

إنّه البحر، هادئ، ساكن، وهاجع، مقلتاهُ ناعستان، أنفاسهُ تنبئني باستغراقه في أحلامه، وإني الآن أصغي إلى وشوشته.
***
وإمّا تحركت أعماقي، لدغتني أفكاري المتوئبة، وكم وددت لو أنّ لي القوّة لأتجاوز غشاتي؟ ورأيتني أنفر مذعوراً من غيوم مضطربة، وهي تضطرب قلقةً فلذاتُ خوفي مخاطباً السماء الممتدة فوق رأسي: أن أنزلني عليّ الغبطة قبل انزواء تلك الغيوم الهائجة . .
***
أذنت الشمس بمغيبها، وريحٌ غريبةٌ أخذت تتبرعم وتزخ حبّات حبّات، راحت تتسارع في هطولها لتغطي تلك التلال والدروب، وتلبسها جلباباً من سحر فتّان، في حين أخذت أشجار البرتقال تنزع عنها أستارها، وراحتْ حباتها يلمعن تحت ضوء القمر . .
***
أعرف جيداً أنّ في الأرض التي نعيش فوق أديمها سبلاً لم تطلها، قدمانا بعد، وأعرف جيداً أنها كثير المجاهيل والخطايا، لذلك أقمت على حوافي جدولِ خريفيٍ كوخٍ يستفيق الصباح على ضحكاته وتزقزق الحساسين على شرفاته، ويعرش السوسن على شبّاكه، وتداعبه ريحٌ يلذ لها الهبوب على جنباته، ويردد بابه النور مدّ لها بالحنين، ورأيت كيف أخذ الزمن يعشب حدائق من حبقٍ وجلنار، وياسمين.
***
تحت جسر المطر تعرّيتُ، ركام من الأمس حطّ بالقرب منّي، قال متابعاً: لماذا تسلم موجعاتك للريح والمطر؟ لماذا تسكن هذا العتاب، وذاك القلق؟ لماذا أدمنت الوقوف على شرفات الغياب؟ لماذا وقوفك تحت المطر عرياناً حتى من ذاكرتك؟
كأنك لم تعرف بعد أنه في الزمن الذي يختلج فيه قلبك تتكون فصيلتك، وأنّ مَنْ يطلب الحكمة عليه ان يتطهر من غرائزه.
***
أحسست بالرغبة في أن أتوارى، كما تتوارى الشمس وراء مغيبها، وخُيّل إليّ أني منتظر مالمْ ولن يأتي أبداً..
وحدها الريح، وحده الغيم، وحده الليل، هؤلاء حرروني من الأسئلة الحمقى التي بدأت توقظ نوافذ القلق.

سيف الدين راعي

 


طباعة   البريد الإلكتروني