وقـال البحــــــر.. صوت لا يموت

العدد: 9521

الاثنين: 3-2-2020

 

تبحث عن عمل فلا تجده، تبحث عن طعام دون جدوى، تسحقك المدينة بلا رحمة، ينتابكّ إحساس بأنك غريب في بلدك، وأنكّ إنسان متهدّم يائس، يحاصر له قلق من مصير مجهول، تغرق في بحر المرارة والأحزان تهوي على أرض الشارع بلا حركة والمطر ينهمر فوقك.
ينقلونك إلى المشفى، يعلن الأطباء أنك فارقتَ الحياة بينما الناس يحتفلون بمهرجانهم الرائع.
تكتب الصحف في ركن الحوادث، أنك متشرّد ومتسكّع، ولا تريد وتمشي تحت المطر في الطرقات، وتستغرب أن تسقط في الشارع وتنهمك بالجنون وتذكر أن المسؤولين استطاعوا محو الفقر في البلاد وأن الأمنيات السعيدة تحلّق فوق الرؤوس بعد مهرجان الأمن الغذائي.
***
طردك لأنك تعلّم تلاميذك الشجاعة في قول الحقيقة، وكان ذوو الشأن حذّروك وكسروا قلمك وأمر الوالي بإسكانك فقطعوا لسانك حياتك رحلة ألمٍ وعذابٍ وقهرٍ لا يهمك حيثما يغيرونك، لا يهمك أن يردموك في الأرض أو يلقوا بك في قاع البحر أو يضعوك في مقبرة تخلو من شواهد ومن مشيعين.
لم يسمعْ أحد أن ميتاً خرج من باطن الأرض وكان تلاميذك ينشرون أقوالك ليتناقلها الناس ذكرى، له ترفّ في البيوت والشوارع والمدارس كنتَ منارة تبعث نورها المتدفّق للسفن التائهة.
أيها الراحل كنتَ غريباً في الدنيا أأنتَ غريب بين الأموات؟ كان صوتك ينفجرُ بالأحزان، والأوجاع كما ينفجر البركان.
الولادة بدايتك ولكن هل الموت نهايتكَ؟ هل تنهض الأشباح من بين القبور؟ يقولون إن صوتك يدوي أيها الراقد مقطوع اللسان حين تخرج كل ليلة من تحت التراب.
يقولون إن طيفاً كهيئتك يحدث تلاميذك ويحدثونه كلما خطرت ببالهم أو أعادوا قراءة صفحات لك ويقولون إن طيفك يحوم في ساحات المدينة عند الفجر ويقولون...
***
رأى أحد الرعاة بيوض أنثى النسر في عش فوق قمة الجبل، أخذ بيضة، ونزل إلى السفح فوضعها تحت دجاجة ترقد على بيوضها، تناول بيضة من الخم، وصعد بها إلى الجبل ليضعها في عش أنثى النسر.
حين فقست البيوض لاحظت الدجاجة فرخاً غريباً ولاحظت أنثى النسر أن فرخاً مختلفاً في عشها، تربى النسر الصغير مع فراخ الدجاجة، وتربى فرخ الدجاجة مع النسور، وراقب شكلها وحركاتها، استغرب أنها حادة البصر وأحس أنه لا ينتمي إليها.
لم يلتقط النسر الصغير الحبوب كفراخ الدجاجة وراح يأكل الديدان واللحم، وعندما يحرك جناحيه محاولاً الطيران تضحك فراخ الدجاج، أحس أنه لا شيء يربطه بهذا المكان، وعرف فرخ الدجاج أنه غريب بين النسور فوق الصخور وهو لا يستسيغ الطعام هنا وأدرك أن أنثى النسر تنظر إليه نظرات ثاقبة تخلو من الحنان وتبتعد فراخها عنه، وجد الأمر غير طبيعي فغادر الجبل وأسرع نحو السفح.
عرف فرخ النسر أنه لن يكون دجاجة، وحين كبر وقوي جناحاه انطلق نحو الجبل فلا يشتهي الدجاج أن يطير عالياً، ولا ترضى النسور بالسفح ولم يشاهد أحد هذا الانقلاب العجيب، انتشرت الحكاية وقال معلم القرية لتلاميذه: يا أبنائي هناك بلدان تجعل النسور شعاراً لها لكن أولي الأمر فيها لا يملكون شهوة الطيران وطموح النسور.

عزيز نصّار


طباعة   البريد الإلكتروني