وقـال البحــــــر..الصـــلاة الحقيقيـــة

العـــــدد 9517

الثلاثــــــاء 28 كانون الثاني2020

 

 

ها أنا أعبر ضباب الأزمة، يخدّ شني عفن الوقت، تعبي غيّر لونه فصار مغبرّاً، أنداح إلى حزني، فيبعثرني شوقي أشلاء على مساء لعوب، أعوض في عباءة الليل، فيكتبني السهر قصيدة أعلّقها على خاصرة الفجر.
****
تغسل وجهي نسمات عابرات، فأتدثر بأنامل منّداة، أسترجع صورتك الغابت في تلافيف الحكايا فتتوارد الأحلام، تسترخي على أرصفة مرافىء العمر، تتفّتح نوافذ الحنين، فيشتعل فيها الضدّان: الماء والنار، الحضور والغياب ..
****
أحضن طيفك القادم والفجر، فيتدفق عطر الأماسي من خوابي الذاكرة، وتنطلق قوافل الاشتياق، أبعثر حزني على بيادر الوداع وأكتب اشتياقي على منعطفات السهر.
****
هي الريح عرجاء، وطقسي مسوّد الوجه، يتفادى كوجبات الفقراء في مواسم الأعياد.
أفقي مرمّد العينين، ويتثاءب في وجهي ندم عتيق، تصغر في عينيّ أمور كبيرة متيقناً أن لا قيمة لخير الأشياء إن لم يكن لها من يمثلها، لأنها ستذهب جفاءً كما زبد البحر، وأن الحياة لن تستقيم بعيش منفرد، وأن علينا أن نوجد أصدقاءنا وأن نخبئهم برموش العيون.
****
أحسست بأني لغم معدّ للانفجار. مجرد ملامسته وينفجر، سرّحت نظري في المدى المخضّر أمام رؤاي، أردت بعض الهدوء لنفسي، أردت حقيقة أن أبطل مفعول اللغم.
وقع نظري على عصفورين يبثان عشقهما، افترت شفتاي عن ابتسامة وقلت: حتى عصافير الدوري تعرف كيف تمارس طقسها العشقي، بينما نحن أو بعضنا يمارس القتل والتخريب.
****
غادرتني هدأتي، لكني وعيت جيداً إن الإنسانية قادرة على العودة دائماً إلى وحدتها البدائية المقدسة، وفي حالتها تلك لا يون هناك أشياء مثل: أنا، أنت، هو، أنتم..
كلّ شيء يكون متحداً، وهذا الاتحاد هو نشوة صوفية عميقة لا يعود فيها قيمة للموت.
****
أطبق الصمت من حولي، ثمة أشباح تحلق من فوقي ومن تحتي، وخيّل إليّ وكأنني سقطت إلى قاع بئر مظلمة وبدأت روحي ترتعد خوفاً..
يقول كاتانزاكي: (الصلاة الحقيقية هي تلك التي تسلك طريقها إلى بيت الرب وتدخله، هي العمل النبيل..)
هززت رأسي أسفاً وقلت: كم منّا من يصلي صلاة حقيقية!

سيف الدين راعي


طباعة   البريد الإلكتروني