وقـال البحــــــر..الوطـــــن..

العـــــدد 9513

الاربعاء 22 كانون الثاني 2020

 

كيفما يكون الوطن تكون حركة تاريخه، فوجوده يكمن في ذاكرته، والوطن الذي يفقد جوهر خصوصيته سيفقد وجوده، ويتجلى حفظ كينونة الوطن من خلال التركيز على الرؤية الواضحة للمستقبل، ومعركة بقاء الوطن وإنشاء الدولة الحضارية للوطن بمؤسساتها التشـــــــــريعية والتنفيذية وفق الأبعاد الإنسانية الشاملة والحوار البناء مع الجميع وفق مبدأ سيادة الوطن وقراره الحر.
يُقصد به تعريفاً بالمفهوم الشامل بأنه مجموعة من البشر عاشوا ويعيشون مع بعضهم البعض وفق اتفاقية العيش المشترك (الدستور) ومقومات وثوابت أساسية محددة تعارفوا عليها وتآلفوا معها ويعمل على لم شملهم وتوحيد كلمتهم ومواقفهم تجاه القضايا المصيرية ويُشعرهم بالسيادة والعزة و الفخر ضمن مختلف المجتمعات البشرية على المستوى الإقليمي و العالمي.
للوطن فلسفة فريدة يختص بها منفرداً، لم تضعها أفكار حروف الرؤى ولا ألباب عشاق الأوطان، بل صاغها هو في لُب العقول ضياءً مخبأً في مصابيح النفوس وقصائد من أثير تشدو بها الأرواح، فالوطن عزف جمالي جماعي لإبراز بصمات التاريخ الإنساني المنحوتة فيه بأبعادها المختلفة وكنز من ضياء لامع وجذوة من لهيب عشق لاذع وطيور محلقة من عميق فرح على شرفات الأماني وأشرعة رواسٍ عند شواطئ الذكريات وحقول قمح ذهبية رنمتها الشفاه عند تخوم البيارات وخيرات أُعطيت لسكانه لتُقسم بفيض بركة ومحبة ورضا على الجميع.
بلدنا من أقدم الأماكن الحضارية والمأهولة في العالم، وقد انتقلت لسكانه مزايا من سكنه في سالف الدهر ففي نفوسهم من السجايا والخصال مثل ما في أرضه من آثار التمدن وبقايا الماضي العريق كطبقات فوق بعضها البعض وتجري الحضارة في عروقهم مع الدماء كجمال الفتوة وجلال الشيخوخة التي تحمل رايتها لأنها بداخلهم طبع وسجية وفي غيرهم تطبعاً وتكلفاً، ولعل كثيراً من أعرق الحضارات والإنجازات التي نشأت خارجه هي من صنع ونتاج أبنائه الذين هاجروا إلى مختلف أصقاع الأرض، ورغم كل الظروف والأزمات فما زال وطننا الغالي منبعاً للمفكرين والعلماء والأطباء والأدباء والمتميزين في شتى نواحي حياتهم الذين يهاجرون إلى بلاد عديدة تتوفر فيها الظروف المناسبة لتأمين حياة رغيدة ومعيشة كريمة ومستوى متطور في نهل العلوم والمعارف، وفي حنين فؤاد كل واحد منهم لوطنه يتساءل عن كيفية رد الجميل لوطنه الذي عاش فيه طفولته وجزءاً جميلاً من شبابه وصباه لأن حب الوطن يجري متدفقاً في دماء العروق والانتماء له يبقى شرفاً سامياً مهما طال تحليق المسافر بأجنحته.
يستطيع كل مغترب مقتدر مالياً ويمتلك الإمكانات المناسبة أن يأتي لوطنه ويصدق النية ويُساهم منفرداً أو بالاتفاق مع آخرين بإشادة المدارس والجامعات والمشافي والوحدات السكنية ومشاريع البنى التحتية والمرافق العامة والخدمات الاجتماعية، وفي هذا العصر الحديث الذي تتوفر به إمكانيات هائلة في قطاع المعلوماتية والإنترنت والتقنيات المتسارعة والثورة الرقمية يستطيع كل فرد مغترب أن يكون رسولاً فاعلاً لبلده العزيز والمنيع بخطاب حضاري وذلك من خلال تنظيم الدعوات وإنجاز كل الترتيبات لإقامة وحضور المؤتمرات العلمية والطبية والمعارض الاستثمارية والتخصصية ومختلف المهرجانات السياحية على امتداد العام على أرض وطنه.

د. بشار عيسى


طباعة   البريد الإلكتروني