وقـال البحــــــر.. صهيل يمضي

العـــــدد 9512

الثــــــلاثاء 21 كانون الثاني 2020

 

لطالما جمّد الشتاء عروقنا، ولطالما مضينا نحفر مسارب أقدامنا في الصخور، وظهورنا كانت مزروعةً بالشمس والتعب والعرق.
أرهقتنا ليالينا المرصّعة بحبّات دمع النهارات، لكننا استطعنا أن نورق صدر الجماد، وأن نشعل صواري الحنين، ونمخر عباب البحر بقوارب منسوجة من آمالنا خشبة خشبة، ولم نك نبالي بثرثرة الشمس من فوق رؤوسنا، أو بمهباج الموج من تحتنا، همنَا أن تعود شباكنا مسكونة بالخير الوفير..
***
قلبي طريح على صدر خابية سكرى، يتمايل على صدى أغنية فيروزية، ثم يمضي في ذاكرة خضراء تصب أحلامها في ساقية مموسقة، ثم تصلي لسنديانة أرخت ظلالها كيف شاءت، ساعتها أخذت أحلامي تستلقي على ارتعاشات أسرّة من بنفسج، وقد أخذت النجوم تغسل من دثارها نجمة نجمةّ، راغبة في قيلولة بنفسجية ..
***
تمر بي قوافل من أفكار متوثّبة، وأنا الذي طالما وزّع نبضه على بوابات العبور، وكنت أحس بأعصابي تنجدل فيما بينها خيطاً فخيطاً، في حين أخذ تبرعم في نعاس الشمس نور شعشاني لطيف، فاستعدت ضحكة عينين كانت قد غابت منذ أمد بعيد.
***
كلمتني غيمة مبلّلة بدمعها: اخلع عن كتفيك عناقيد الغبار، وإيّاك ان تزرع في التباس الوصول البهي فلقد فاضت المصابيح القادمة من فجر الغمام وأنارت لك دروبك، فإلى متى تظل ترسل أوجاعك؟ وإلى متى ستبقى وحيداً في سجنك الداخلي غريباَ ونائياً حتى عن جسدك؟
وتابعت الغيم عتابها: ها هي الكروم أضاءت زيتون كلماتها، وأسرجت من أكباد دواليها قصائد الشوق المجلّى بالألق، وها هو الحور يرش طيوبه ويوقع على أوتار القلب أحلى الألحان.
تعباً من سفر العمر، طويت أجنحتي وصرت إلى إغفاءة هانئة، سبعون عاماً وعامان لم أغادر فيها سراديب الضياع، وكنت أرقب الصباح كلّ يوم وأهلّ لبزوغ فجر جديد لكن ما من جديد كلّ فجر يولد كأخيه، يبزعون من نفس المنبع ثم يجرون إلى نفس المصب.
وكانوا جميعاً يعلقون نهاري ويؤرقون ليلي وأنا الكنت أحلم بفجر أطعمه سنابل محبتي وأسقيه من خابية أشواقي، لكنه كان صهيلاً يمضي والرياح..

سيف الدين راعي

 


طباعة   البريد الإلكتروني