وقـال البحــــــر.. تحويل وضحكات

العـــــدد 9511

الإثنيــــن 20 كانون الثاني 2020

 

يرفع حفّار القبور معوله إلى الأعلى بيديه المعروفتين، ويهوي به على الأرض.. يرفعه وينهش المعول الحادّ الأرض القاسية، ويريد حفّار القبور الاستعجال، وهو يفكر بمكافأة سخية من أهل الميت والمقبرة تحتضن الموتى الفقراء وتحتضن الطيبين وأصحاب الخطايا المتراكمة المكدّسة.
حملوا الميت بصندوق خشبي مغطّى وحين أنزلوه لم يحسّ حفار القبور بالرهبة لأن الموت أصبح يحوم في كل مكان وهو بلا زمة وفجأة يمر من السكينة تحويل يتصاعد من قبر سعيد الحافي تتناهى إلى الآذان صيحاته كأنها من عوز عميق، هو يلقى جزاء أعماله في الدنيا.
***
حين أرقدوه في باطن الأرض، مدّ المشيّعون نظراتهم ليتأكدوا من الهوة التي تردّى فيها، كان يلبس ثياباً أنيقة مترفة، وهو يرقد الآن ملفوفاً بالقماش يقيم أهله حفل تأبين كبيراً يحضره جمع حاشد، يوزعون عن روحه مالاً كثيراً، ويطلق المنشدون من أجله الأدعية والابتهالات، ترهف الشوارع السمع لما يقوله الحاضرون بعد انتهاء التأبين، أهي الشماتة؟
أهو الانتقام؟ ما أكثر خطايا سعيد الحافي! ما الغاية من هذا الحفل؟ إنه إبليس لكن مأتمه كان مهيباً، ارقد أيها الهامد المعلون..
ابتلعته الأرض وارتحنا منه، فقد كان سيء السمعة ومختلاً ومخادعاً كان نجماً ساطعاً في كل المناسبات.
***
لم تضع أرملته الماء في الجرن المحفور على قبر زوجها الراحل ولم تقدم له حزمة ريحان، تحس بالنشوة بعد دفنه ويطوله الزمن بعد الأيام الأولى ويلفه الظلام الأبدي، وترى أرملته طيفاً في أحلامها كهيئته وله قرنان كالثور تصيح به: في جوف الأرض وقد تحررت منك أيها الثور القبيح.
تتظاهر المرأة الفاتنة أن الحزن يلذع قلبها وتلبس ثياب الحداد، تذكر أنها جعلت سعيد الحافي رجلاً مشهوراً وغنياً، كان يخونها مع الكثيرات، وهي بعد موته تنتقم منه وتقضي الليالي مع معجبين تنفق عليهم.
***
تقف أمام قبره مع الأهل يحس سعيد الحافي بما تفعله ويدرك أنها ستتقلب في العذاب مثله بعد أن تفارقها الحياة لكثرة خطاياها، ويحدث أمر عجيب، يدهش الحاضرون وهم يسمعون ضحكاته الصاخبة تخرج من تحت التراب وتدوي في أرجاء المكان.

عزيز نصار


طباعة   البريد الإلكتروني