وقـال البحــــــر.. المقاومة وواقعيتها

العـــــدد 9505

الأحــــــد 12 كانون الثاني 2020

 

وأنا أزور طهران لأول مرة عام 1997، لم يكن من الصعب فهم طبيعة الروح الإيرانية، كانت تستفيق من حرب ظالمة ودموية شنها نظام صدام حسين بدعم أمريكي وخليجي استمرت ثماني سنوات، كانت روح المقاومة تنهض، وبدا الإيرانيون وكأنهم يمسكون بالفجر.
يوم عدت إلى دمشق سألني (عميد خولي) رئيس تحرير صحيفة الثورة: (كيف قرأت واقع ومستقبل إيران كدولة وأمة في وسط هذا التزاحم العدواني لنهشها وغرس الأنياب في روحها وجسدها؟)، ولأنني بطبعي لا أحب الاستفاضة، اختصرت القول: (إيران ستنهض كدولة وأمة لأنها تهتم بالشجرة والزهرة).
ضحك وهو يتأملني، وعرفت أن إجابتي لم تقنعه، وأظنه استغربها، سألني: (ما علاقة الشجرة والزهرة بمستقبل إيران؟!)
قلت: (بعد تلك الحرب الطويلة التي التهمت كل شيء الأجساد والشجر والحجر، يعني أننا أمام أمة تعشق الحياة، وتريد أن تستولد وجودها كما تستولد الزهرة عطرها، والشجرة فيأها وثمرها).
زرت إيران بعد ذلك إيران مرتين، في المرة الأخيرة حضرت فيها مؤتمر نصرة غزة، بدت إيران دولة مقاومة ونهوض وقوة، ولم تعد مسرحاً لتهديدات الغرب وأمريكا والكيان الصهيوني، باتت القوة العسكرية الإيرانية تضع نهاية للغطرسة الأمريكية، فهي في كل يوم تقدّم امتحاناً على قوة روحها المقاومة، وفي تزاحم الأحداث، راح مفهوم المقاومة يأخذ أبعاده الواسعة بتعزيز هذا المفهوم على الأرض عبر المقاومة اللبنانية والصمود السوري والمقاومة العراقية، وولادة حلف مقاوم يبدأ من طهران ويعبر بغداد إلى دمشق ومنها إلى بيروت وغزة والقدس ويتطاول اليوم باسقاً ليصل صنعاء.
إن ما طرحته فلسفة المقاومة من حلول وأجوبة على ما سمي بتحديات الربيع العربي، وعلى السيناريوهات الأمريكية والإسرائيلية والوهابية والإخوانية والعثمانية، يعزز الثقة بأن محور المقاومة يصير في كل يوم أكثر قوة وعمقاً في الروح العربية والإسلامية وفي روح الشعوب المناهضة للغطرسة الأمريكية، وهو أمر أكده الشهيد قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ورفاقهما.
إن الرد الإيراني على مقتل سليماني ورفاقه، وما سيأتي من ردود لاحقة، سيشكل مفهوماً عملياً وثقافياً ونضالياً واجتماعياً، يرسم للمنطقة خارطة جديدة تحت عنوان (شرق أوسط مقاوم) ومنتصر.

سليم عبود


طباعة   البريد الإلكتروني