وقـال البحــــــر ..لوحــــــة

أعمدة الرأي

العدد: 9486

الثلاثاء: 10-12-2019

 

هناك فوق تلك الأرصفة لا يخجل الفقر من التعبير عما يعتريه، يرشق وجهه بالصابون كل صباح، يمشط شعره وربما يمرر الموس ليزيل النابت من شوك ألمه ويكتب قصصه على وجوه المارة دون قلم أو ورق! أصوات الباعة، البضائع القديمة، الملابس المستعملة، الأحذية المكسوة بالغبار، الأشياء الملقاة بعفوية، كلها تشي بخواطر كثيرة وربما تفصح عن واقع مر وصادق لا تستطيع تجاوزه حتى لو غضضت بصرك عنه! رجل ستيني يجلس على الحافة، هو لا يعرض بضاعة مستعملة فحسب، بل يعرض سنوات عمره التي قضاها بالكد والتعب، وبصمت مكابر يقول تلك اللغة التي تعجز كل القواميس الجاهزة عن ترجمتها، على رصيف آخر، امرأة ترتب (باقات الجرجير) بأصابع من عطر وضوء، وتبيع أعشابا جمعتها من سفوح قريتها البعيدة، هي أم عظيمة مكافحة تذكرني في كل لقاء بعبارة (الأرض أنت.. وأنت الأرض) وتمر في خاطري مسميات كثيرة وكأني أرى الشمس تشرق من جبينها كل صباح، هي سيدة الطبيعة النباتية، وسيدة الخبز، وسيدة الحنطة! فوق جسر المشاة، قد تستوقفك مجموعة من الكتب والروايات القديمة التي ضاقت بها رفوف المنازل وتخلى أصحابها عنها، ولايزال ذلك البائع الشاب ينتظر قدوم الزائرين للتصفح واقتناء ما أمكن منها ولو بأسعار زهيدة! وحده الرغيف فوق تلك الأرصفة لم يأبه لسمسرة التجار وصفقات البيع والشراء، لم يصدق عبارات التنظير عن التفاني في العمل ولم بتناقل صور (الفيس بوك) ومثالياته الزائفة، وحده الفقر هنا لم يتحلَ بابتسامة هوليود المصطنعة، ولم يخف تجاعيده الحقيقية بحقن (البوتوكس) لم يجمل صلعته بشعر مستعار ولا جسده بثياب مستعارة، بل كان جميلاً بعريه الصريح وثيابه البالية حد البهاء! وحده الرغيف هنا، كان حقيقياً بحزنه وألمه وشجونه وأفراحه الصغيرة، وصراعه اليومي من أجل البقاء، وحده كان ينبض بصدق.. كما القلب!

منى كامل الأطرش

الزيارات: 201
طباعة