وقـال البحــــــر... إحبـــاط التميـــز

العـــــدد 9423

الأربعــــــــاء 11 أيلول 2019

 

 

لا تكتمل مسيرة فصول هذه الحياة بدون الرغبة في تحقيق الأهداف، ومرونة التفكير والحماس في آفاق العمل، والقدرة على التألق والتميز في شتى المجالات والميادين، ويُستخدم التميز كمعيار لمستوى الأداء وغالباً ما يكون مهارة مميزة تتجاوز قيم المقاييس الاعتيادية، ومن الجدير التنويه إليه بأن بداية التقدم هو الإنجاز وبداية الإنجاز هو الإبداع وبداية الإبداع هو التميز بمختلف صوره.
إذا كان مفهوم التميز يعني عموم الخلق كخير مثال، فإن حرية التميز تعني أن يأخذ طريقه إلى النور والعلم لأنه بذلك يمتلك أهميته وتأثيره، وهو عندما يصل إلى فكر وذهن المتلقي فإنه في تلك اللحظة يخضع للنقد والمحاكمة، وذلك بما يطرحه من فكر جديد يقبل به المرء أو يرفضه.
إن هذه السيرورة لخط التميز لا تحقق في الواقع إلا في أضيق المسارب، فالتميز في بعض المجتمعات التي تعيش خارج زمنها والتي تميل إلى ترسيخ الثوابت يعتبر بدعة مرفوضة وجنحة تستحق العقاب، لأن كل جديد سيحمل في طياته بذور عالم جديد لا يلبث أن يقوم على أنقاض العالم القديم، الأمر الذي لا يوافق بعض العقليات الراكدة بأفقها المحدود الذي لا يتجاوز سقف مصالحها.
ولأن التميز يشمل كل نشاط إنساني أنتجه فكر الإنسان، سواء كان ذلك في العلوم أو الفنون أو الآداب، فإنه يؤسس لنهضة مادية وروحية في مجتمع ما ويضع حجر الأساس لحضارة جديدة تنهض لتواري ما سبقها، وليست بعيدة عن الذهن حضارة عصرنا الحالي والتي كانت نتيجة لثورة فكرية وعلمية وسعت كل الأفكار الجديدة في العلم والثقافة والفن والأدب، ولأن العالم غدا صغيراً بثورة الاتصالات والمعلوماتية فإن أصداء كل أفكار جديدة لا تلبث أن تبلغ أصقاعاً جديدة بعيدة عن المركز لتحمل تأثيرها وإشعاعاتها إلى تلك الأمكنة المنسية.
ولا شك أن المجتمعات على اختلاف درجة تطورها هي من تلك الأمكنة، فما زالت تعاني من التقييد والحجر على أفكار مبدعيها ويُمارس عليها وصايا ورقابة تطال المبدع والمتلقي في آن معاً، فهي تمنع التواصل بينهما من جهة وتسلب حرية وحق كل منهما من جهة أخرى، ويعود سبب هذا إلى محاولة تخطي قانون الوعي السائد في المجتمع والاقتراب من الثوابت المعروفة وهي التي يُنظر إلى مسألة الخوض فيها بأنه اختراقات لثوابت كيان المجتمع وقيمه الموروثة والمنقولة، ولذلك يكون الحظر عليها لمنع ما يمكن أن تحدثه من تغييرات حقيقية في القناعات والأفكار والمفاهيم المتوارثة.
كان تاريخ الفكر الإنساني قد شهد على تلك المحطات التي حُجر فيها على روحية التميز الإنساني، ولهذا كان بدء إطلاق تميز الإبداع إيذاناً ببدء عصر جديد ذخر بتحولات جذرية في مناحي الحياة المختلفة وانقلابات في مناحي الحياة المختلفة، وتبلور عالم جديد يؤمن بالإنسان وحقوقه وصيانة كرامته في هذه الحياة ويقدس العقل والعلم، وكل ذلك جعل الشرخ كبيراً في ميزان التقدم بينه وبين العوالم الأخرى.
يعيش التميز حالة من انعدام الوزن أمام العوائق التي تكبله ومن الواضح جداً أنه مُثقل إذا ما أضيف إليه حالة الإحباط التي تتجذر يوماً بعد يوم والإحساس بفقدان الأمل وتراجع حوافز الرغبة في التغيير وتبدي المشهد الرمادي للواقع والمستقبل، وأما بالنسبة إلى إرث الماضي والتاريخ فإنه من المثير ذكره هنا بأن العودة إلى التراث تُطلعنا على جوانبه الإيجابية والمضيئة وعلى جرأته وعصريته في ذلك الحين، فالحياة الفكرية في الأيام السابقة كانت تتمتع بقدر كبير من الحرية والحيوية وعندما يزخر تراث الفكر الإنساني بالآفاق الرحبة والحريات فإنه يقدم المرجعية الحضارية الغنية التي يمكن أن يُستند إليها الآن وأن يتم استلهامها، وذلك يعني بالضرورة أن تتوفر الإرادة و الرغبة في تغيير صورة وشكل التميز الفكري والإبداعي الأمر الذي سيُفضي إلى إعادة النظر بما يُعتبر من المسلمات لطرح ما هو جديد.

د. بشار عيسى


طباعة   البريد الإلكتروني