وقـال البحــــــر... ســــحر المكــــان

أعمدة الرأي

العـــــدد 9405

الخميس 8 آب 2019

 

هل المكان -أي مكان- حجارة وطين، أم ذكريات وحنين . .؟
لماذا تبقى بعض الأمكنة حاضرة في الوجدان تستوطن المشاعر على مر الأيام؟
لماذا تظل بعض الأمكنة إيقاع حنان لا ينتهي وصوراً تحفظ الأسرار وتخبئ همسات الوجد؟
كم من الشعراء والأدباء تغنّوا بمكان ما بقي في جغرافية نفوسهم تاريخاً زرعوا فيه ذكرياتهم..؟
وعلى ذكر المكان وسحره فقد قادتني خطاي قبل أيام إلى بعض شوارع اللاذقية القديمة في شارع البلدية حيث المبنى القديم لصحيفة الوحدة كدت أن أنطق شعراً لكني خشيت أن أتعدى على مهنة غيري كما يفعل الكثيرون هذه الأيام.
فجأة هاجت بي جوانح الشوق إلى ضفاف مكان جمعنا وتحركت في تلافيف الذاكرة آلاف الصور والمواقف التي لا زالت تنبض وكأنها حصلت للتو.
في ذلك المكان الضيق الذي تطل نوافذه على شجرة جميز ضخمة صدر بها حكم الإعدام ونفذ قبل سنوات –في ذلك المكان- كانت تجمعنا لمة الصباح المحببة.. صخب وضجيج وازدحام وسباق على كراسي قديمة لا يُحسد عليها الجالسون، قاعدة واحدة للتحرير تلم شمل الزملاء كل يوم ويستمر عمل البعض إلى وقت تخلو فيه الشوارع من عابريها.
يحضر الزميل المرحوم سهيل خليل حاملاً ظرافته ويحضر زملاء آخرون بكل ما فيهم من عبق الياسمين وأمام الجميع يفتح المرحوم سهيل الصحيفة ويقرأ بعض الجمل من أعمدة وزوايا وكأني به اكتشف خطأ ما، يبتسم ويقول: أسماء كبيرة يا أخي، ويبدأ بسرد حكاية سربيونية مبنية على الخطأ الذي اكتشفه، قال زميل لزميله ماذا تقول في رجل ترك (أبيه وأخيه) فيصحح له زميله أباه وأخاه يغضب الأول ويقول: يا أخي لماذا كلما حدثتك خالفتني.
ولأن المرحوم سهيل كان يعد العدة لإصدار مجموعته القصصية الرائعة (حكايا من قرية سربيون) يجود علينا بحكاية أخرى: جاء أبو فلان كي يتعلم النحو من أبي فلان فسأله: لا أعرف لماذا يقولون: أبو فلان، وأبا فلان، وأبي فلان فرد عليه قائلاً: يقولون: أبو فلان لمن عظم شأنه وقدره، وأبا فلان للمتوسطين يعني من الطبقة الوسطى، وأبي فلان لأصحاب الرزيلة.. وتتوالى الحكايات.
وعودٌ إلى البداية، ففي الوحدة تعلمنا ألف- باء الصحافة، الوحدة احتضنتنا واحتضنت أقلامنا ولا زلت أذكر ما كتبه المدير العام لمؤسسة الوحدة آنذاك في العدد صفر: لحظات الولادة هي الأصعب لكنها الأكثر جمالاً.
في بيت الوحدة أسماء لا يمكن للزمن أن يغيبها عن الذاكرة، وفي جعبتها ما زال الكثير الذي لم تقله بعد.
الوحدة أعطتنا أكثر مما أعطيناها، كانت وستبقى الأفق الأرحب حتى ولو ضاقت النفس وتعبت الأحلام تحية لزملاء الوحدة الذين يقفون جميعاً على ضفاف النفس حتى أقاصيها، تحية لمن تقاسمت معهم القلم والورق، وانتقلت معهم من القلق إلى القلق.

إبراهيم شعبان

الزيارات: 234
طباعة