وقـال البحــــــر ... نزيف الياســــمين

العدد: 9386 

 الأحد-14-7-2019

 

 

الحكاية التي زرعت في رأسي منذ طفولتي، ولم تغادرني، هي حكاية جدي محمود . .
وعلى الرغم من قناعتي أن تفاصيلها لن تقدّم أو تؤخر في الحكاية، ومع ذلك تظل أسئلتي لمعرفة تلك التفاصيل مشتعلة، ولا تنطفئ.
في اعتقادي أن أبي يعرف الحكاية بكل تفاصيلها، الأمر الذي يجعلني أتساءل على الدوام: لماذا يرفض أبي البوح بما يعرفه؟
وتسألني أمي: لماذا أنت مصرّ على معرفة تفاصيل الحكاية؟
عندما يكون أبي في مزاج جيد يجيبني باختصار شديد على سؤال يلامس الحكاية، ولا يدخل إلى عمقها، وعندما تتجه أسئلتي إلى جوهر الحكاية، سرعان ما ترتفع نبرة صوته، ممتزجة بالتأفف: ما قصتك؟ فألملم أسئلتي، وأهرب من قسوة نظراته.
كان غضب أبي يقتصر على صوته، فهو أب طيب وحنون جداً، وتحاول أمي أن تقدمه لنا كأب مسكون بالحنان والطيبة، وأنه غير الصورة التي يبدو فيها غاضباً، ومأزوماً، وتهزني من كتفي: (يوسف أطيب إنسان في هذا العالم، لكنه الزمن وقسوة الحياة، وقلة ما في اليد) وتصل الدمعة أحياناً إلى مشارف عينيها، وتبتلع حشرجة في حلقها: (الحياة صعبة)، وتحاول أن ترسم على شفتيها ابتسامة (الحمد لله).
مرة، تجرأت وسألت أبي بشكل مباشر، ودون مقدمات: أبي، لماذا تخفي عنا ما تعرفه عن جدي ، هل في الأمر سر؟
لم أكن أظن إن السؤال سيغضبه إلى هذه الدرجة، تفحصني بعينين متعبتين وحزينتين، وغاضبتين . . عندما يصل غضب أبي إلى حدوده القصوى، يعلو صوته بقوة، وتتناثر كلماته سريعة، وتتداخل إلى درجة لا أفهم منها شيئاً سوى تلك النبرة الحادة التي تمسك بمخارج الكلمات، ويتجه إلى غرفة نومه ويغلق الباب وراءه، ويغرق المنزل كله في صمت طويل يقلق أمي، فتعلن عن غضبها منا: (هل تريدون أن تصيبوا أباكم بالذبحة القلبية؟)
مرات قررت الابتعاد نهائياً عن الأسئلة، ونسيان حكاية جدي كلها، كان حزن أبي في لحظة ما يغرقني بالشعور بالذنب، لكن سرعان ما تعاودني الرغبة بطرح الأسئلة من جديد، فأنتظر إلى أن يكون بمزاج جيد، لأعود وأسأله بهدوء، أشبه بهدوء من ينقر على باب، ويخشى ردة فعل من يقف خلفه، وعندما يجيب أبي على سؤالي الأول، أجدها فرصة وأسرع إلى طرح سؤال ثان، فيتوقف أبي عن الكلام، وتترنح نظراته على وجهي باردة، أو معاتبة، وأحياناً مستنكرة، وهكذا أجد المجال مغلقاً أمام سؤال ثالث.

سليم عبود


طباعة   البريد الإلكتروني