وقـال البحــــــر...مدينــة التاريــخ

العـــــدد 9364

12 حزيــران 2019

 

وهبت الطبيعة الساحل السوري التميز والجمال، فكان ملتقى النور بألوان زاهية، رسمت صفحاته بلوحات متنوعة، جباله غابات شامخة، سهوله مروج خضراء، شواطئه رمال ذهبية وصخور بيضاء.
اللاذقية قديمة قدم التاريخ، تعددت أسماؤها من راميتا وياريموتا في لغة الساميين، إلى أوغاريت عند الفينيقيين، ولوكي أكته في لغة اليونان، ومزبدان في قاموس الفرس، ولاوديسيا عند الرومان، واللاذقية بعد الفتح الإسلامي لها، أحرقتها شعوب البحر عام ١١٩٥ ق. م، و دمرها الرومان ٤٩٤ م، وحررها المسلمون بقيادة عبيدة بن الصامت عام ٦٣٨ م، واحتلها الصليبيون مطلع القرن الثاني عشر الميلادي، إلى أن استعادها منهم السلطان الأيوبي صلاح الدين عام ١١١٨ م.
تروي طبيعة اللاذقية الخلابة وأوابدها الأثرية حكاية التاريخ والحضارة التي تلألأت فيها لتنوع العهود التي مرت عليها حيث عُثر في رأس شمرا (أوغاريت) على أول أبجدية عرفها العالم، ومن آثارها رأس ابن هاني، وقوس الإمبراطور سبتيموس التزييني وسط المدينة والمعروف بالقوس الكبير وتجاوره أعمدة معبد باخوس.
تتنوع أوابد اللاذقية الإسلامية من مساجد وحمامات وخانات، من أهمها جامع أبو علي البطرني أمير البحر عند الملك الظاهر، وجامع الرئيس حمادة التونسي في الميناء القديم، وجامع الشيخ ضاهر وسط المدينة و قد بُني عام ١٧٨٦ م. إلى جانب المتحف الوطني، فقد كان في القرن الثامن عشر خاناً، وحُول بعدها إلى مقر الحاكم الفرنسي إبان الانتداب، ويمتاز بأقواسه وقناطره الحجرية ورواقه وقاعاته الخمس.
وتوجد جنوب اللاذقية مدينة جبلة التي بناها الرومان، وشيدوا فيها مدرجاً حجرياً، وبالقرب يرتفع صرح إسلامي تمتاز به هذه المدينة عن سواها، إنه جامع السلطان إبراهيم بن الأدهم الداعية الديني الذائع الصيت.
كما تضم اللاذقية عدداً من القلاع أهمها قلعة صلاح الدين في شرق اللاذقية، وتمتاز بإطلالتها على الجبال المرتفعة شرقاً، والساحل غرباً، يتألف مدخلها من ١٤٠ درجة وسط غابة من الصنوبريات، وهذه القلعة تبدو عليها أنماط معمارية بيزنطية وصليبية وإسلامية تزيدها جمالاً، وقلعة المهالبة جنوب شرقي اللاذقية، وتجاورها جنوباً على تل صخري شرقي مدينة جبلة قلعة بني قحطان بسورها المنيع، وبرجا المراقبة فيها، إلى جانب عشرات التلال الأثرية الأخرى.
في أقصى شمال اللاذقية ووسط حصن بحضن الجبل الأقرع، وبارتفاع ٨٥٠ م تتربع بلدة كسب السياحية وسط غابات الصنوبر يصلها جنوباً برأس البسيط طريق أخضر بغابات كثيفة في شبه انحدار نحو البحر أشبه بلوحة فنان تفسر كيف يغسل البحر أقدام أشجار الصنوبر في مشهد قل نظيره ليبدو البحر ليلاً أشبه بقمر يضيء ظلمات غابات الصنوبر، ورأس البسيط يمتاز بمياهه النظيفة ومخيماته السياحية، وصولاً إلى وادي قنديل ويفصله عن أم الطيور جبل شاهق ينحدر صاغراً ليلامس زرقة المياه.
وأما خليج برج إسلام بصخوره البيضاء يشد الناظر إلى معانقة مياهه، حتى نصل إلى رأس ابن هانئ، وإلى الشرق من اللاذقية، وعلى ارتفاع ١١٠٠ م يتربع مصيف صلنفة وسط غابات الأرز والشوح والصنوبر، ويجاورها موقع النبي متى إلى الشمال منها، وتنتشر غابات الفرنلق، وبالإمكان الانتقال بين البحر والجبال بمسافة لا تتجاوز ٦٠ كم.
وإلى الجنوب من اللاذقية، وعلى شاطئ مدينة جبلة الصخري يمتد كورنيش سياحي، يحتضن جبلة ومعالمها، وإلى الشرق منها في مصايف بيت ياشوط، وسط أشجار السنديان، بالإمكان التمتع بالإطلالة على سهول محافظة حماة شرقاً والبحر المتوسط غرباً.
وأخيراً فلا سياحة بلا سياح، أو مقومات سياحية، فاللاذقية جمعت مقومات السياحة كاملة من النهضة العمرانية والخدمات السياحية المميزة، الأمر الذي أعطاها ميزة المحافظة السورية الأولى سياحياً.

د. بشار عيسى


طباعة   البريد الإلكتروني