وقـال البحــــــر...المريض الكومبارس

العـــــدد 9348

الخميـــــــس 16 أيار 2019

 

قرأت فيما قرأت عن حكاية واقعية لا تخلو من الطرافة حدثت في إحدى المدن الأمريكية الكبرى ملخصها أن رجلاً افتتح مطعماً كبيراً بعد مسيرة طويلة من التعب والادخار لكن مطعمه بقي بعد الافتتاح خالياً إلا منه ومن العاملين فيه كأن لعنة حلت بالمكان ومنعت الناس من ارتياده، الأيام تمر ومصاريف المطعم في تراكم دون مورد يذكر وحلم الرجل الذي سعى لأجله دهراً بدأ يستحيل أضغاثاً لكن صاحبنا لم يستسلم بل فكر ودبر ثم قرر أن يدخل في مجازفة إما أن تصيب فينطلق بعدها في فضاءات النجاح أو تفشل فيسقط على أم رأسه ويتحول إلى مشرد تحت الجسر لا يملك إلا كلباً يرافقه وزجاجة جعة تنسيه مصابه، قام ببيع شقته وسيارته وتعاقد مع شركة تؤمن (الكومبارس) لمنتجي أفلام السينما على أن تقوم الشركة بإرسال عشرات الأشخاص من الكومبارس ليملؤوا مقاعد المطعم ويتجمهروا خارجه بانتظار الدخول إليه، تم الأمر وغص المطعم بالزبائن الافتراضيين بينما امتد طابور طويل من المنتظرين خارجه على مدى نهارٍ كامل وفي المساء تحول الطابور الافتراضي إلى طابورٍ من الزبائن الحقيقيين الذين توافدوا تحت تأثير عقلية القطيع ونجا صاحبنا من رفقة الكلب تحت الجسر ليمتلك خلال سنوات سلسلة من المطاعم الشهيرة التي تعج بزبائنها.
في مدينتا العروس يتبع أصحاب المطاعم أسلوباً مشابهاً لكسب السمعة والشهرة وبالتالي كسب المزيد من الزبائن مع فارق أن الكومبارس هم الزبائن أنفسهم على مبدأ المثل العامي (من دهنه اسقه)! إذ يعتمد صاحب المطعم عدداً قليلاً من العمال الذين يتباطؤون في تحضير الوجبات الأمر الذي يؤدي إلى تراكم الزبائن وانتظارهم طويلاً من أجل الحصول على وجبة المن والسلوى من المطعم الذي ملأت شهرته الآفاق.
هذا الأمر مفهوم حين يتعلق بمطعمٍ وزبونٍ مستعد للعب دور الكومبارس والانتظار ساعة من أجل الحصول على شطيرة أو وجبة يدفع ثمنها من جيبه لأن الموضوع اختياري وليس لأحد أن يجبره على الانتظار لكن أن ينسحب الأمر على العيادات الطبية الخاصة ويتحول المريض الذي أجبرته علته على زيارة الطبيب إلى كومبارس ينتظر مع المنتظرين فهذا ما لا يمكن فهمه وتقبله إذ يتقصد بعض الأطباء القدوم متأخرين ساعة أو ساعتين إلى عياداتهم الأمر الذي يؤدي الى تراكم المرضى القادمين وفق مواعيدهم والحجة دائماً حاضرة الطبيب قدم لتوه من غرفة العمليات أو من زيارة إسعافية، يتراكم المرضى في عيادته بينما يتحدث الناس عن طبيب ينتظر المريض ساعات و ساعات حتى يحظى بمسحة بركته رغم قدومه في موعد مسبق ومن الطرائف المبكية أنني سمعت عن طبيب ينتظر المرضى في عيادته وقتاً أطول من انتظارهم في محطة الوقود!
حديثي هنا محصور بأولئك الأطباء الذين يتعمدون احتقار قداسة الوقت وقداسة المهنة فقط كي يقال أن عياداتهم أكثر ازدحاماً من مطاعم الشاورما أما بالنسبة إلى المريض الذي تحول قسرياً إلى كومبارس فتمنياتنا له بالشفاء التام ونتضرع إلى الله ألا يعامل في غرفة الفحص عند فوزه بدخولها معاملة سيخ الشاورما.

شروق ديب ضاهر


طباعة   البريد الإلكتروني