وقـال البحــــــر...ســـــُقوط الكلمة

أعمدة الرأي

العـــــدد 9347

الأربعـــــــــاء 15 أيار 2019

 

حقاً لقد انتهى العصر الذهبي للكلمة، حيث لم تعد الكلمة كافية لاستيعاب تطورات هذا العصر ومتغيراته، فقد تجاوزها هذا الواقع وأفرغها من مضمونها، ولم تعد تلك الوسيلة الناجعة للتعبير عن الحقيقة، لقد أصبحت في غالبية الأحيان قناعاً يداري الحقيقة ويزيفها، ولم تعد سهماً حاداً ينطلق ليفجر موقفاً أو يحسمه، بل تحولت إلى سلاح طيّع وليّن، لقد كُسرت شوكة الكلمة وقلمت كل أظافرها، وأصبح توظيفها سهلاً ومُتاحاً.
وللكلمة عبر الزمن صور باهرة ومضيئة في مراحل التاريخ الراسخ في الأذهان، لأنها كانت تشير حينها إلى واقع محدد وواضح الملامح.
ومع استعراض محطات الحياة في الأذهان، إضافة إلى تذكر جزء وافر من القناعات والمعتقدات، واختيار أي موقف منها سواء كان اجتماعياً أو اقتصادياً أو فكرياً، فهذا يطرح سؤال هام ومُلح وهو: كم من المعاني ستخطر على البال عند التعبير عن هذا الموقف بكلمة، وهل تستطيع الكلمة أن تقوم بدور الموصل الجيد والمناسب بين ما يرتبط بها الكلمة في أعماق الإنسان، وبين ما هو حقيقي ويحدث فعلاً؟
من الملاحظ أن هناك العديد من الكلمات المنتشرة في الحياة العامة، والتي تفجر الكثير من اللغط والمشاكل والمعارك الفكرية والاجتماعية، وحتى الاقتصادية والسياسية، ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى أن كل من هذه الكلمات أصبحت تُصور بمثابة الثوب الفضفاض الذي يتسع للعديد من الاتجاهات والمواقف والتأويلات والآراء الحقيقية منها والمزيفة، والمتقاربة منها والمتضاربة.
وتجدر الإشارة إلى تغير خريطة الصراع العالمي وطبيعته، حيث لم يعد يدور بين المبادئ والعقائد والأفكار كما كان سابقاً، بل أصبح متركزاً ومنحصراً حول المصالح فقط أولاً وأخيراً.
الثورة الهائلة للنواحي الفكرية والحضارية الإنسانية طرح تساؤلات واجتهادات لا حصر لها، ولم يعد يكفي معها أن تعبر الكلمة عن موقف، ولم تستطع أن تتابع حركة التطور المتسارعة، ولهذا فقد ظلت الكلمات ترتبط في الأذهان بقوانين وحقائق طرأت عليها متغيرات كثيرة، بينما الكثير من الناس مستغرقون في تأمل قيم العالم القديمة.
ومع التطور المتسارع والمدهش في وسائل الاتصال والإعلام بكل نواحيه، وتقدم فنون التأثير على عقول الناس، فقد أصبح في مقدور أغلب وسائل الإعلام عامة والتواصل الاجتماعي خاصة، إقناع عموم شرائح الناس بأن الأبيض أسود وبالعكس، إضافة إلى ممارسة بعض المنابر الإعلامية لعملية قلب الحقائق وتشويهها وتطويعها لخدمة فكر ما أو مخطط بعينه، مع ملاحظة العديد من المحاولات الساعية إلى انتهاك حرمة الكلمة وتوظيفها لخدمة الطرف الأقوى أو الجانب الأغنى. لقد عاشت حضارة الكلمة لحقبة طويلة، و لكن لا بد من ضرورة الانتقال من حضارة الكلمة إلى حضارة الأداء، بعد كل التطور الذي صبغ فكر الإنسان وحياته، وبعد كل تلك الانتهاكات المتكررة لاستباحة حرمة الكلمة.
وأخيراً فإن جوهر المشكلة لا يكمن في الكلمة بحد ذاتها، و لكن ينحصر في مواقف الذين يستخدمونها، وبناءً عليه ليكن فعلاً معيار المفاضلة هو المواقف ذاتها وليس حلو الكلام وبليغ العبارة.

د. بشار عيسى

الزيارات: 150
طباعة