وقــال البحــــــر ...غيـّرتنا وما غيرتهم

العدد: 9287
الخميس 7-2-2019

 

 

حين يحط البارود ودخانه الرحال فوق أرضٍ ما تصبح هذه الأرض رهينةً لسنّة الحرب، فيتغير وجهها وتتبدل معالمها، وتضحي العناوين فيها أطلالاً لعمرانٍ يرزح تحت نقص ماضي الفعل كانَ، الشوارع تستحيل أخاديداً يملؤها غبار إسمنت الدمار، وما الناس فوق الأرض إلا أحد معالمها، تمضي على وجوههم سنة الحرب، كما تمضي على وجهها وتضحي عناوين البهجة والتفاؤل في نفوسهم أطلالاً ترزح تحت نقص ماضي الفعل نفسه (كان)، الأعصاب تستحيل أخاديداً يملؤها غبار الهم والتعب، من كان قبل الحرب ينافس حاتم الطائي في جوده صار بعدها مطوياً على جيبه يريد أن ينقذ ما تبقى فيه من دريهمات خشية أن تضيع، ومن كان يبزّ جابر عثرات الكرام في مروءته كسَرَ المروءة ولم يعد يريد لها جبراً، ومن كان بتعفف أبي ذر صار كأشعب في تطفله على الموائد، والإيثار أضحى عملةً نادرة قد لا يجدها الأخ لدى أخيه، الطالب لا يحصِّل من طلبه إلا جملة (فرّج الله علينا أجمعين) والسائل لا ينال من سؤاله إلا جواب (أعطاك الله)، حتى الأطفال التائهين أضحى توجس الخوف منهم واجباً، من يأخذ بيدهم قد يسوقونه الى حتفه وأضحت الريبة في النساء الحوامل أمراً مشروعاً، قد يكون ما في بطونهن أصابع وأسلاكاً تنتهي إلى الجحيم.

هي سنة الحرب لكنها كجميع السنن حمّالةٌ للأوجه، فعلى المقلب الآخر حيث اتخذ الرجال من أخاديد الدمار خنادق، ومن دمار الإسمنت سواتر، هناك على محك الحاضر والمستقبل رأينا ونرى وجه الحرب الآخر حين يفرض رجال الوطن سنتهم فوق سنة الحرب فيغيرونها ولا تغيرهم، يبدلونها ولا تبدلهم، هناك في بطون غمائم الدخان وفوق صفيح النار يسطّر الرجال الرجال قصص بطولاتهم بمدادٍ أحمر كحمرة جبين العلم، وينسجون حكايات مروءتهم على أنوال قلوبهم البيضاء كبياض قلب العلم، ويوشّون روايات الإيثار فيما بينهم بأياديهم الخضراء كخضراء النجوم في العلم، ويوقعون بمن تربّص في الوطن وقائع سوداً كسواد الهزيع الأخير في العلم، هناك لم تجد سنّة الحرب إلى قلوب من اعتلى صهوتها مدخلاً، فرسانها طوَوا بجود أرواحهم وكرم نفوسهم قصص حاتم الطي وأدرجوها مغاور التاريخ، جبروا بمروءتهم كسر جابر عثرات الكرام، خجل من تعففهم التعفف وناء الصبر بصبرهم، ثبتوا وما اهتزوا، منهم من عاد على الأكتاف، عادوا راحلين وما تغيروا، والباقون في الأتون واقفون شامخون لا ولن يتغيروا . . نحن فقط من غيرتنا الحرب.

 شروق ديب ضاهر

 


طباعة   البريد الإلكتروني