السّيمياء علمٌ مستجدّ تكشف خفاياه الباحثة غنوة صالح

الوحدة : 3-11-2021

 

غنوة صالح، مدرّسة لمقرر اللغة العربية في كلية التمريض - جامعة تشرين، باحثة في الدراسات العليا- الماجستير، بصدد إنجاز بحث علمي في السيمياء.. حضورها الإعلامي والثقافي -رغم تواضع التجربة- أثبت تميزاً وتألّقاً كبيرين.. اجتهادها الشخصي ودأبها العلمي حجرا الأساس في مسيرتها التي ماتزال تخطّ سطورها الأولى بإصرارٍ وعزيمةٍ لا متناهيين. في السطور الآتية نسلّط الضوء على تجربتها البحثية، ونسبر أغوار اختصاصها ومشروعها، ونكشف خفايا دراستها علم السيمياء المستجد.

- طالما كانت السّيمياء مفهوماً غامضاً عند النّاس، هل بالإمكان الوقوف عند معناها بتفاصيلها الدّقيقة؟

الوقوف على تعريفٍ دقيقٍ للسّيمياء ليس أمراً هيّناً إطلاقاً، فمجرّد التّفكير بالمعنى الدّقيق للسّيمياء يُدخلك مداخل عِدّة، والسّبب في ذلك يرجع إلى حداثة هذا العلم وجدّته من جهة، وتعدّد المنطلقات الفكريّة والثّقافيّة والأيديولوجيّة لعلمائه من جهة أخرى.

ولعلّ أشهر تعريفاته أنّه " علم العلامات أو الإشارات "، وقد ارتبطت السّيمياء قديماً بعلم الطّبّ كونه أقدم العلوم التي درست العلامات، واستخدمتها للدّلالة على الأمراض، فكلّ مرض من الأمراض له علامات دالّة عليه .

وتحتلّ السّيمياء اليوم موقعاً مركزيّاً في البحث العلميّ في العالم، وهي تجتاح العالم السّياسيّ بامتياز ، فمعظم الزّعماء وأصحاب القوّة والنّفوذ في العالم يلجؤون إلى علماء أو متخصصين في السّيمياء ؛ لاختيار الكلمات الدّقيقة في الخطابات السّياسيّة الموجّهة، وكذلك من خلال شيفرات جسديّة معيّنة تُرسِل معنى مُضمراً، أو لنقل مسكوتاً عنه إلى متلقٍّ يعي تماماً ما يرى ويسمع، وكذلك في اختيار الخلفيّة أثناء الظّهور أو شكل المكان الذي سيُطلّ من خلاله على الجمهور.

كما أصبحت السّيمياء تستخدم في كشف أنماط السّلوك الإنسانيّ كالكذب، وكذلك في عالم الأزياء، وكلّ ما له علاقة بالعلامات ولاسيّما اللسانيّة منها والتي تجد أنّها أخصب الحقول السّيميائيّة.

هذه السّيمياء التي بشّر بولادتها العالم السّويسري فرديناند دوسوسير، ولقيت مخاضها في أبحاث العالم الأمريكيّ بيرث، ومن جاء بعده من الباحثين، قد أشعل شرارتها في سورية الأستاذ الدّكتور محمّد إسماعيل بصل أستاذ اللسانيّات العامّة في جامعة تشرين؛ إذ بدأت الدّراسات على يديه تتحوّل بين الموضوعات التّقليديّة القديمة إلى أبحاث مهمّة ومتطوّرة في السّيميائيّة ، وأحدث ما توصّلت إليه نظريّتها في العالم ، وعلى نهجه اشتغل طلّابه على أبحاث جادّة في هذا المجال؛ إذ بدأنا نجد أبحاثاً سيميائيّة مهمّة في الحوار الإذاعيّ، وسيميائيّة الإعلان، وغيرها من الأبحاث التي غيّرت بوصلة الأبحاث في الدّراسات العليا.

- عرفناكِ إعلامية في مواقع عدة ودارسة للأدب بشموليته ما علاقة الإعلام بالسيمياء؟

المفهوم السّيمولوجيّ يغزو اليوم أكثر فأكثر عالم الإعلام المرئيّ منه، والمكتوب، وحتّى المسموع، وينطبع في مجالاته كلّها.

فإذا كان الإعلام اليوم هو القبضة الحقيقيّة التي تصنع القرار والحدث في العالم، فإنّ السّيمياء هي القوّة التي يفعل بها الإعلام ما يفعله.

نحن نعيش في عالم من الشّيفرات الإعلاميّة الموجّهة التي تتسلّل إلى وعينا دون أن ندري لتدفع بنا إلى غايات مقصودة.

فالصّحف العالميّة مثلاً تخاطب قرّاءها من خلال شيفرات سيميائيّة موجّهة، تُركّز على بناء المعنى ونقله إلى الجمهور، فتوظّف العلامات في تحرير الخبر الصّحفيّ بما ينسجم والتّوجّه السّياسيّ والأيديولوجيّ للجريدة .

والأمر ذاته ينطبق على البرامج الإذاعيّة والتّلفزيونيّة التي تُركّز على الحفاظ على المُشاهِد لإقناعه، أو إمتاعه عبر العلامات اللفظيّة أو الصّوريّة الموجّهة.

وحتّى الإعلان يلجأ إلى السّيمياء ليكون أكثر إقناعاً وتأثيراً، وقبولاً لدى الجمهور، وكنا قد تحدّثنا سابقاً عن أهمِّيّة السّيمياء وخطورتها في الإعلام السياسي .

- بحثك في الماجستير عن ماذا يتحدّث؟

استكمالاً لمسيرة زملائي الباحثين الذين خاضوا غمار السّيمياء، وأصّلوا لها، وعلى خُطا أستاذ اللسانيّات العامّة الدّكتور محمّد بصل، ولأنّنا لم نقف على دراسات جامعيّة تناولت المضمر بشكل خاصّ سيميائيّاً عَمدنا إلى البحث عن هذا المضمر، وآليّة الوصول والقبض عليه وتحديداً في بنية النّصّ الرِّوائي، من خلال رصد البنى السّيميائيّة والتّداوليّة، وكان ذلك من خلال اختيارنا للرّواية الفلسطينيّة ( السّفينة ) لجبرا إبراهيم جبرا، التي تخاطب ذهن المتلقّي وقواه الشّعوريّة بلغة علاماتيّة، تعكس زخماً من المعاني الخفيّة والعميقة، والتي ستكون كلّها على طاولة التّشريح السّيميائي والتّداوليّ، انتهاءً إلى نفي المباشرة عن كلام البشر، فكلّ قولٍ مهما بدا مباشراً فإنّه يخفي مضمراً مسكوتاً عنه.

- طالما تحدثت عن السيمياء والسيمياء تعد دراساتها جديدة نسبياً، ما هي حاجتنا اليوم للدراسات السيميائية وللاختصاصيين في ظلّ تطور علوم الآداب؟

السّيميائيّة مشروع شجاع وجريء يسعى لتشكيل نواة جديدة للعلوم الإنسانيّة، والتّمكّن من الوفاء لهذا العلم بنتائج جدّية وجديدة سيكون بمثابة الفتح العلميّ الجديد.

ومن جهة ثانية فقد أصبحنا اليوم في خضمّ خطر قائم في معادلة السّيطرة على الشّعوب ، وعرضة لكمّ هائل من الخطابات المشفّرة والمضمرة، والتي تنجح غالباً في الوصول إلى وعي معظمنا، ولذلك فإنّ الوعي السّيميائيّ أصبح ضرورة تفرضها تلك المضمرات المتوارية لحماية أنفسنا من الانقياد حيث تريد لنا أن نكون.

ريم جبيلي


طباعة   البريد الإلكتروني