موعد على صدى صوت مطرقة المحاكم

الوحدة 8-9-2021



على صدى همس لهفة والديهما وحبهما استفاقت مشاعرهم، لم يدركوا آنذاك شيئاً عن ألم الفراق ومعاناة الاشتياق لتنكسر فجأة تلك المشاعر وبدون سابق إنذار تتلاشى على أبواب المحاكم، حيث ضجيج الخلافات وقرارت الطلاق.
هنالك حيث مطرقات المحاكم بعثرت أحلامهم واجتمعت آلامهم التي سرقت منهم لهفة والديهما السابقة ليبدأ اللقاء الأول وفق مواعيد وبرامج حددتها المواد والفقرات و لم تحبذها قوانين السماء في أشد المحن فالطلاق أبغض الحلال عند الله والمال والبنون زينة الحياة الدنيا.
فأين زينة الدنيا وفرحتها بعد التخلي عن الأبناء وراء مبررات الخلافات والظروف وصعوبة التفاهم بين الوالدين...
سؤال يطرح نفسه؟
إن كان الآباء الراشدون غير قادرين على استيعاب الحياة والظروف والخلافات ماذا عن أطفال بعمر الورد كسرها السقاة فجأة عندما حرموها الماء في ذروة عطش الصيف؟
موضوع الإراءة وحضانة الأطفال بعد طلاق الوالدين شحذ قلوبنا بقساوة حالاته المتعددة والتي اقتطفناها من واقع غريب أصبحنا نرى فيه القليل المعقول والكثير اللامعقول من حالات الطلاق وتفكك الأسر وتشتيت الأطفال فانهيار شرقيات المجتمع التي كنا نعتز بها فلما يحدث هذا ولماذا حدث؟
لم تصبر السيدة (ث. ع) البالغة من العمر ٢٨ عاماً على ظروف زوجها المعيشية اذ اكتشفت مؤخراً بأن أحواله المادية لم تعد تناسبها فهي تطمح بالعيش الكريم وتأمين متطلباتها الخاصة ناسفة مشاعر طفليها بعرض الحائط لتتخذ قرارها (بالطلاق) ومن ثم الزواج من رجل ثري فتبدأ رحلة طفليها المقررة لرؤيتها حيث أماكن الإراءة التي ارتأت من خلالها الأحكام بأن يكون توقيت غمرة الأم أو الأب لطفلهما لا يتجاوز ساعة أو ساعتين ربما لمنحه الحنان.
أما السيدة ريم فقد قررت وبسبب مشاكلها العائلية مع أهل زوجها المتوفي بأن تكون رؤية طفلتها لجدتها (أم الأب المتوفي) عن طريق المحاكم دون أي اعتبار أو تقدير لما سيدور في مخيلة وتفكير طفلتها لاحقاً والعكوسات النفسية التي ستولد لديها بسبب أنانية الكبار وخلافاتهم..
من جانبها السيدة ثناء قررت التنازل عن طفلها لزوجها بعد أن طلبت منه الطلاق واكتفت بالعيش وحيدة والسبب أنها لم تعد تتفق معه بعد زواجه الثاني فتنازلت لزوجها عن ولدها لأنها غير قادرة على إعالته و رعايته بسبب ظروف المعيشة حسب قولها.
تلك الحالات التي انتقيناها من واقع محزن يعج بزحام من الحالات المشابهة المختلفة لا تحتاج الشرح فقد رسخت صورها بصمات مرّة في ذاكرتنا لكنها تستحق التفكير والبحث في أسباب انتشارها وبكثرة في مجتمعاتنا الشرقية..
لذا توجهنا بدورنا لمختصي القانون والمجتمع ليزودونا بآرائهم ومعلوماتهم حول موضوعنا هذا.
المحامي الأستاذ هيثم عكو بيّن قائلاً: الحضانة حق للمحضون على ذويه كونه يحتاج الحنان والرعاية وفي حال وقوع الطلاق بين الزوج والزوجة تكون حضانة الأولاد ذكوراً وإناثاً للزوجة (والدتهم) حتى يتموا الخامسة عشر من العمر وبعد أن يتم الولد المحضون الخامسة عشر من عمره يصبح له الحق باختيار البقاء إما مع والدته أو الانتقال إلى كنف والده وذلك بتصريح واضح أمام القاضي الشرعي ويتقدم أحد الوالدين بطلب إداري للسيد القاضي الشرعي عند رغبته إبقاء ولده المحضون لديه المتم الخامسة عشر من العمر فيقرر القاضي وبقرار إداري لا يحتاج المحاكمة أو الدعوى القضائية بذلك بعد أن يسمع رغبة الولد المحضون بالبقاء عند أي من والديه ويصدر قراراُ بتسليم المحضون بقرار صريح مع تنفيذه عن طريق دائرة التنفيذ المدني المختصة وإن اضطر الأمر فيتم تنظيم ضبط أمام قسم الشرطة المختص باستلام وتسليم المحضون لصاحب القرار الصادر لمصلحته واستلامه فعلياً تنفيذاً للقرار بكتاب موجه من دائرة التنفيذ إلى قسم الشرطة.
وأشار عكو إلى أن الحضانة تنتقل من الأم إلى الأب مباشرة في حال زواج الأم من رجل آخر أو وفاتها أو تحقق بها إحدى العوامل الفاسخة للحضانة وهي عدم القدرة الذهنية أو الجسدية لرعاية المحضون أو المانع الأخلاقي في سلوك الأم المخالفة للأخلاق العامة والسيرة غير الحسنة لها أو زواجها من غير أب المحضون بعد طلاقها منه.
أما بالنسبة للإراءة فقد أكد الأستاذ هيثم أنها حق للزوجة أو الزوج غير الحاضن للأطفال إذ يتقدم بطلب إداري للسيد القاضي الشرعي وينفذ القرار عن طريق دائرة التنفيذ المدني المختصة وتتم الإراءة لمرة واحدة في الأسبوع لمدة ساعتين ضمن دار الإراءة التابعة للمحكمة بموجب ملف تنفيذي يذكر في محضره يوم وساعة تنفيذ الإراءة.
وفي حال اتفق والدا المحضون رضاءً على تمكين تنفيذ الإراءة خارج دار الإراءة يتم ذلك الأمر أدبياً بين والدي المحضون وهو الأنجع حلاً.
وحول نفقة المحضون وضح الأستاذ هيثم عكو أنها تقع على عاتق والده منذ أول يوم ولادته وذلك بمبلغ يتناسب مع دخله إن كان معسوراً أو ميسوراً، منوهاً إلى أن نفقة المحضون في أيامنا هذه تقارب (٩) آلاف ليرة شهرياً، ويحق للجد والجدة طلب الإراءة لأطفالهم أيضاً مرة في الشهر بعد موافقة القاضي الشرعي.
الأستاذة نهلة خضيرة اختصاصية علم الاجتماع ترى أن الطلاق قد يكون حلاً لصالح الطرفين في بعض الحالات إلا أن كافة الجهود يجب تكريسها من أجل الأولاد والخطر يتجلى بسلوك الوالدين في موضوع الحضانة وطريقة تواصل الأطفال مع الطرف غير الحاضن أي (الإراءة) فمن الصحة أن يتفق الوالدان على رؤية أطفالهم بصورة ودية ضمن العائلة التي يعيش فيها الأب أو الأم دون الحاجة لمراكز الإراءة التي سيشعر فيها الطفل بالجبرية والتعقيد وعدم الراحة لأن هذا الأمر سيولد لديه حتماً النفور من الوالدين ورفض الذات وسوف يرى نفسه سلاحاً يتحارب به والداه من غير أن يشعرا به وهنا سيفقد إحساسه بأمان الأهل وحمايته له من المجتمع ليتحول إلى طفل حاقد قلق ومتوتر بعد خسارته كافة عوامل السلامة العاطفية والنفسية.
وأخيراً
حتماً سيفقد الأطفال ثقتهم بالآخرين والمجتمع بعدما استيقظوا وبشكل مفاجئ على صوت المطرقة التي أخبرتهم بأن همس والديهم الصباحي وحنانهما الذي منه استمدوا الثقة والأمان لن يكون بعد اليوم إلا للحظات أو ساعات على صدى صوت مطرقات المحاكم.

جراح عدره


طباعة   البريد الإلكتروني