تنور (وما لذّ وطاب) على مفرق طريق

الوحدة: 10-1-2021

 

 

 

كان تنور الخالة أم ياسر وما يزال استراحة لكل العابرين من جانبه والمتعبين من الانتظار للحصول على رواتبهم أو ربما قرض على رواتبهم من المصرف المجاور  أو لدفع فواتير الكهرباء في المركز القريب منه أو...

 

وكان فرجاً ورحمة للسيدات الموظفات اللواتي لم يلحقن في غمرة أعمالهن أن يجهزن طعام الإفطار أو الغداء، ونعمة لصاحب بيت فاجأه ضيف ما على حين غفلة، فرائحة الخبز والفطائر التي تصنعها أم ياسر كانت تصل لآخر الشارع وتخترق  النوافذ والجدران في كل الحي، وتتميز بنظافتها الشديدة واهتمامها بعملها بكل حرفية شكلاً ومضموناً فخبرة ثلاثين عاماً جعلت الفطيرة تخرج من بين يديها كقطعة الزبدة تذوب في الفم بكل لذة وطيابة.

 

وتقول: الله يرحم أيام زمان حيث كان كل شيء متوفراً بكثرة ورخص، كنا نقوم بعملنا دون أن نحسب حساب الغد لأننا كنا نحضر المواد بكل بساطة وسهولة وكان كل شيء متوفراً وفي متناول اليد ولكن الآن اختلف الوضع وانقلب رأساً على عقب، فتأمين كل مادة من مواد العمل أصعب من الأخرى وذلك إما لغلائها أو لعدم توفرها، وأضافت: الوضع تعبان كتير حيث أصبحنا نشتري المواد بأغلى الأسعار حتى نستطيع أن نمشّي أمورنا نوعاً ما في هذه الظروف الصعبة، فلقد تجاوز ثمن كيلو دبس الفليفلة ال 5000 ليرة، وكذلك قنينة الزيت حلق سعرها بشكل يفوق الحد والقدرة على الشراء، والطحين صار مثل الدهب والحصول عليه من أصعب الصعوبات، ونشتري كيلو الورق ب 3000 ليرة وكيلو الأكياس ب 4200 ليرة وطن الحطب حدث ولا حرج فقد أصبح سعره 80 ألف ليرة سورية، وأكملت الخالة أم ياسر: كنا بالسابق نبيع الفطيرة أو المحمرة بعشرة ليرات وكانت الحالة ممتازة والعمل مرزق، حالياً نبيع الفطيرة أو المحمرة ب 200 ليرة (ويا دوب نطالع) جزءاً من أتعابنا، حتى وضع الزبون تغير كوضعنا وأصابه ما أصابنا من وضع اقتصادي سيئ، ومن كان يطلب كل يوم خف طلبه كثيراً، ومن كان يأكل عدة فطائر خف طلبه إلى فطيرة أو اثنتين على الأكثر.

 

وقالت بابتسامتها التي لا تفارق وجهها رغم التعب: إن شاء الله ترجع الأمور مثل الأول وتتوفر المواد وتنخفض أسعارها حتى يستطيع الفقير العيش بسلام وكرامة.

اما السيدة فيروز أسعد (أم علي) والتي كانت تصل رائحة فطائرها إلى آخر الحي لتدعو الجائع والشبعان لتذوق فطائرها الساخنة والشهية فتقول: كان العمل على التنور أفضل حل أمامي لأحسن معيشة أسرتي ولأحافظ على تعليم أبنائي وخاصة أننا أسرة كبيرة وجميعنا نعتمد على راتب زوجي ولذلك قررت من سنوات طويلة الاعتماد على نفسي ودعم أسرتي وافتتحت التنور أمام منزلي وكانت البدايات رغم صعوبتها جميلة،

 

ومن خلال عملي على التنور استطعت تأمين كل متطلبات دراسة أولادي فأحدهم تخرج من كلية الهندسة والثانية تخرجت من كلية التمريض والثالث درس معهداً هندسياً والاثنان الباقيان مازالا على مقاعد الدراسة، وأضافت: الحمد لله لقد اكتسب عملي سمعة طيبة بسبب حرصي الشديد على نظافة كل شيء واهتمامي  بإتقان كل التفاصيل مهما كانت صغيرة من بداية  عجن الطحين فجراً وحتى تنظيف المكان مساء بالإضافة لعملي المتواصل على تلبية طلبات الجميع من الخبز أو المحمرات أو فطائر السلق والسبانخ، وتغمرني السعادة عندما يعبرون عن محبتهم لعملي وطلب المزيد منه وأسعد أكثر عندما يلتف حولي طلاب المدرسة وكل منهم ينادي: خالة أم علي أسرعي  بفطائري فأنا جائع ، ولفتت إلى أن الوضع تغير كثيراً بعد هذا الغلاء لكافة المواد من طحين وزيت وكافة مكونات الفطائر كالجبنة أو دبس الفليفلة أو الزعتر، وقلت الطلبات بعد أن كانت كثيرة وكنت أستعين بالآخرين للمساعدة لإنجاز المطلوب بالسرعة المطلوبة، أما الآن فقد أثر كثيراً غلاء المواد وقلتها على عملي، فالجميع يشكون من تدهور الوضع والجميع أوضاعهم سيئة، والجميع يقتصدون في طريقة معيشتهم، وأكملت: الله يعين الناس على قضاء هذه الأوقات الصعبة ويفرجها على البلاد والعباد جميعاً ويعود الأمن والسلام والرخاء إلى بلدنا كما كانت قبلا لنستطيع أن نحيا بكرامتنا ونأكل من تعبنا وعرق جبيننا من العمل الذي نتقنه جيداً وتوارثناه عن أمهاتنا وجداتنا.

سناء ديب


طباعة   البريد الإلكتروني