قبل الحظر.. بساعة

الوحدة:4-4-2020

كل الحياة توقفت في قلب العجوز حين سمع أن كورونا يتربص بالعجزة وكبار السن, وأصحاب الأمراض المستعصية والدائمة، كل المشاريع، وحتى إشعار آخر،

وبات يقضي نهاره, ومعظم الليل بالاستماع إلى أخبار هذا المرض اللعين من الصين وحتى أمريكا، وينتظر خبراً يعيد الأمل بسنوات عمر إضافية، كلقاح ينشر الطمأنينة, يضاف إلى مجموع اللقاحات التي يتلقاها طفل أو شاب دون سؤال أو اعتراض، وحتى دون تفكير بالرفض, أو الشك, أو القبول.

يردد في سره: كثير من الأمور في الحياة نقبلها دون سؤال!

واليوم.. الأهم هو في الوصول إلى علاج يقضي على مرض تحول إلى وباء انتشر في العالم كما أخباره في العالم الافتراضي انتشار النار في الهشيم، تجاوز الحدود بصمت, وقوة تضاهي قوة الموت, والحياة.

لم يتوقف جهاز العجوز الخلوي عن الرنين, معلناً تلقي رسائل من أصدقاء, وأقارب, ومعارف.. رسائل تبث الألم, أو الواقع بألم, أو الأمل في ايجاد حلول, وآراء أطباء وصيادلة, وممرضين، حتى وصل الأمر إلى تأليف الأغاني للكورونا ونبش الأفلام الأمريكية القديمة التي تفضح مؤامرة هنا وتصوراً هناك..

فأمريكا لن تتغير على مدى التاريخ, وجرائمها باتت علنية مفضوحة، وكانت قبل تمر في ظلمة الظلم دون أن يدري أحد بها، حتى يلمس النتائج.

اليوم.. تنبع قصة من هنا, وجريمة من هناك.. تحاول طيها, تغطيتها, اللعب عليها وعلى العالم, والهيمنة بوقاحة وكما تعودت.

بعد أيام من حجر متعمد قام به العجوز.. لا يلتقي بأحد, ولا يقبل دعوة أحد، قرر الخروج، قبل ساعة من بداية منع التجول في مدينته، خرج، لم يكن في شوارع طرطوس التي مر بها إلا القليل من عابري السبيل المسرعين، لكن طفلاً وطفلة يحملان أكياساً, ثم يجرانها ممتلئة بقاذورات جمعاها من أكياس القمامة المرمية عند أطراف الأرصفة...

صورة جعلته يقف متعجباً من قذارة طفلين يتفننان في البحث, والتنقيب عبر الدوس على كيس القمامة, ومعرفة ما بداخله من صوت يصدر للتو.. يقتسمان العمل..

يقول الطفل المتسخ لدرجة أنك لا تميز ملامح وجهه.. موجهاً الكلمات لأخته ربما: هذا الرصيف لي, وذاك لك..

لو كان لكورونا الطفيلي، الأصم, والأعمى, والأبكم عقلا لهرب منهما كما هرب العجوز وابتعد مخافة أن تصله عدوى لا بد أنهما يحملانها.. لأنهما طفلان قد لا يتأثران.. هكذا قرر العجوز, وهو يسرع الخطى هارباً متأسفاً, وحزيناً.

على الرصيف، في شارع عريض وسط المدينة، شاهده.. رجل الحاويات الضخم الذي يعرفه كل أهالي المدينة.. وهو القابع منذ سنوات على أرصفتها... النائم على الرصيف كجيفة, وبجانب حاويات القمامة.. لا يهمه برد وشتاء..  صيف وحرّ أو شمس، تنتشر منه رائحة قمامة مثل حاوية لم تلق أية عناية منذ زمن، كأية حاوية في طرطوس، والأهم أن هذا الرجل لا ينتظر أية مساعدة, أو مد يد العون ليديه المرعبتين، ولا يطلب!

على بعد أمتار منه، يتربع عجوز آخر فوق كرتونة جعلها مقعداً وفراشاً، يمد رجليه ويشعل سيجارة, وينتظر عطف عابر سبيل بنظرة مؤلمة, أو سؤال!

حين وصل العجوز الهارب من المشاهد المؤلمة إلى الكورنيش البحري كانت المفاجأة أكبر! عرف لماذا تنعم شوارع المدينة بالهدوء! كل السيارات هنا، على الشاطئ، تقوم بجولات متتالية على أصوات موسيقى صاخبة تملأ الفضاء ريثما تأتي الساعة السادسة.. بدء الحظر.

شباب يمارسون هواية قيادة الدراجات النارية بصخب وبهلوانية أيضاً، وعلى كل دراجة أكثر من راكب، يستعرضون مهاراتهم بصخب, ويلتقطون الصور!

العديد من المتنزهين يشربون القهوة التي اشتروها للتو من باعة جوالة في المكان!

لم يترك عجوز, وزوجته مكانهما من رصيف يبيعان أكياس المحارم لعابري السبيل في سياراتهم المسرعة, وهما ينتظران بأمل سائقاً حنوناً يقف ليشتري!

ويمارس الشباب والصبايا رياضة الجري, أو الهرولة بأحذية, ولباس رياضي, بعضهم يحاول الركض بجسد متعب, وكأنه يمسك بيديه, وقدميه الحياة قبل أن تفر منه.

مشاهد تدفع العجوز للبكاء، فيرنو إلى موج البحر الفضي اللامع، يتلاطم، يضرب صخور الشاطئ بعنف فيثير رياحاً محملة بالماء المالح، ينتشر فوق الرؤوس, والأجساد القريبة منه, المتسارعة, المتباطئة, الحزينة, الضاحكة...

يمازح العجوز أطفالاً يلعبون الكرة مع والدهم هناك، يرد ضربة برجله المتعبة بعد طول مسير، فقد وصلت الطابة إليه دون تسديد.. ويضحك لضحكهم، يردد في سره: الحياة لطفل، لعصفور ارتفع صوت تغريده عالياً حين غاب البشر، يسرع الخطى, يتجاوز الازدحام, يلعن كورونا, ومن وقف وراء عاصفة قتلت الأمل في لحظات صفاء، وزادت طيننا بلة.. إذ لم تنته بعد حرب الوجود مع استعمار طامع كشر عن أنيابه، ليرسل لنا اليوم عبر الهواء جراثيمه، ينفثها  بفم وقح, فاجر, وأحمق.

سعاد سليمان

 


طباعة   البريد الإلكتروني