التـصويـــر الطبـّي العـَصـَبي في الأورام الدّماغيــَّة البِدئيـَّة والثَّانويـَّـة

العدد: 9388

الثلاثاء16-7-2019

 

الورم الدماغي هو نمو غير طبيعي للخلايا داخل الدماغ أو القحف، بعضها سليم والآخر خبيث، قد تنشأ هذه الأورام من النسيج الدماغي نفسه (بدئية) أو قد تنشأ في مكان آخر في الجسم وتنتشر إلى الدماغ (نقائل)، وتختلف طرق العلاج تبعاً لنوع الورم وحجمه وموقعه، إذ قد يكون العلاج شافياً تماماً في بعض الأورام أو قد يكون علاجاً عرضياً فقط.
تشكل أورام الدماغ نسبة هامة من أورام الجسم، وقد اكتسبت دراستها أهمية كبيرة بعد التطور الهائل في وسائل التصوير الطبي في السنوات الأخيرة.

في هذا المشروع تم إيجاز أهم النقاط المتعلقة بأورام الدماغ البدئية والثانوية من حيث أنواعها وشيوعها ومواقع الإصابة، بالإضافة إلى التوسع في شيء من التفصيل في مختلف وسائل التصوير الطبية العصبية وذكر دورها التشخيصي ونقاطها الإيجابية والسلبية، كما نحاول جاهدين صقل تفكير القارئ وتوجيهه نحو التشخيص الجيّد والصحيح، هذا ما تصدى له كل من مجد غسّان البرجق، لين معين الرحيّة، مايا محمود عيسى، لؤي شفيق جديد، بعنوان (التَّصوير الطبّي العَصَبي في الأورام الدّماغيَّة البِدئيَّة والثَّانويَّة) في مشـروع أُعـــدَّ لنيل إجازة دكتوراه في الطـب البشـري بإشراف الأستاذ الدكتور فـوّاز علي بدور.
عندما نواجه احتمال وجود ورم دماغي، نجد أن هناك العديد من الأسئلة التي يجب أن نجيب عليها، ونظراً لوجود أورام مختلفة تتظاهر في فئات عمرية مختلفة، فإننا نحتاج أولاً لمعرفة عمر المريض، بعد ذلك نحتاج إلى معرفة مكان وجود الآفة: فهل هي داخل أم خارج المحور؟ في أي حجرة تشريحية تتوضع؟ هل هي كتلة وحيدة أم أنها آفة متعددة البؤر، نبحث عن الميزات النسيجية للآفة مثل التكلسات، والشحم، والمركبات الكيسية، وتعزيز المادة الظليلة وحدّة الإشارة.
معظم أورام الدماغ تكون ذات إشارة ناقصة على T1WI وعالية على T2WI، ولذلك فإنَّ حدة الإشارة العالية على T1WI أو الإشارة الناقصة على T2WI يمكن أن تكون دليلاً هاماً لتشخيص الآفة.
أخيراً، علينا أن نفكر في احتمالية كون الآفة التي نتعامل معها عبارة عن آفة تقلد الورم كالخراجات، لويحات التصلب العديد ، التشوهات الوعائية الدموية، أمهات الدّم أو الاحتشاءات مفرطة التروية.
أورام الجهاز العصبي المركزي
تقسم أورام الجهاز العصبي المركزي إلى ثلاثة أثلاث هي: الآفات النقيلية، والأورام الدبقية والأورام غير الدبقية، إنَّ الورم الدبقي مصطلح غير نوعي يشير إلى أن الورم ينشأ على حساب الخلايا الدبقية مثل الخلايا النجمية، والخلايا قليلة التغصنات والخلايا البطانية العصبية وخلايا الضفيرة المشيمية.
الأورام النجمية هي أكثر الأورام الدبقية شيوعاً ويمكن تقسيمها إلى النمط شعري الخلايا منخفض الدرجة والنمط اللا تصنعي متوسط الدرجة ، والورم الأرومي الدبقي متعدد الأشكال، الخبيث عالي الدرجة، أمّا الأورام غير الدبقية فهي مجموعة كبيرة غير متجانسة من الأورام ويكون الورم السحائي أكثرها شيوعاً.
التوزيع العمري
إنَّ عمر المريض عامل مهم في التشخيص التفريقي، بحيث تشاهد أورام معينة في عمر أكثر من 2 سنة، مثل الأورام الحليمية للضفيرة المشيمية والأورام النجمية اللامصنعة والأورام المسخية (العجائبية)
في العقد الأول من العمر تكون الأورام التالية هي الأكثر شيوعاً: الأورام الأرومية النخاعية، والأورام النجمية، والأورام البطانية العصبية، والأورام القحفية البلعومية والأورام الدبقية، في حين تكون النقائل نادرة جداً وعندما تحدث في هذا العمر، تكون النقائل من الورم الأرومي العصبي هي الأكثر شيوعاً، وبالنسبة للبالغين فإنَّ حوالي 50% من جميع آفات الجهاز العصبي المركزي هي نقائل، أمّا الأورام البدئية الشائعة الأخرى عند البالغين هي الأورام النجمية، والأورام السحائية، وأورام الخلايا الدبقية قليلة التغصنات والأورام الغدية النخامية والشوانوما.


خطّة العلاج
يلعب التصوير بالرنين المغناطيسي دوراً حاسماً في خطّة العلاج لنقائل الدماغ، مساعداً على تحديد عدد وحجم وموقع الآفات، مما يؤدي إلى تحسين العلاجات الجراحية والإشعاعية، قد تضيف تقنية التصوير المقطعي بالانبعاث البوزيتروني بتواسط الواسم فلورو إيتيل تيروزين قيمة إلى التصوير بالرنين المغناطيسي القياسي لتحسين تخطيط المعالجة، حيث أن FET PET يمكن أن يظهر مناطق من الورم المحتمل تمتد في بعض الحالات إلى ما وراء منطقة التعزيز في التصوير بالرنين المغناطيسي.
وقد توصلّت الدراسات أيضاً لاستخدام التصوير بالانبعاث البوزيتروني بتواسط الميثينون لتخطيط العلاج، ومقارنة MET PET إلى التصوير بالرنين المغناطيسي في المرضى الذين يعانون من مرض ناكس بعد العلاج الجراحي والشعاعي.
قد يساعد التصوير المنتشر في خطة العلاج أيضاً في الحد من مخاطر النكس، ينتج عن استخدام بيانات درجة الانتشار الواضح ADC بالإضافة إلى صور الزمن الأول بعد الحقن، ظهور أحجام الورم الإجمالي غير المتغيرة، ولكن يقوم بتعديل الأشكال المستهدفة. وفي دراسة (2017) وجد باحثون أن استخدام العلاج القائم على الانتشار على منطقة يؤدي لحماية حجم أكبر من نكس الورم لاحقاً، وبالتالي قد تفيد المريض، لحين معرفة مدة البقاء، بما أن الغزو يمكن أن يكون بشكل ظاهرة النقيلة، فإن القدرة على تحديد المناطق غير الغازية لمناطق انتشار الورم المُرتشح يمكن أن تساعد في تحسين خطط العلاج، يمكن تحقيق ذلك بتحليل بيانات درجة الانتشار الواضح ADC، وفي دراسة أخرى، يبدو أن دمج خرائط ADC من عمليات المسح الجراحية الداخلية إلى التصوير التشريحي يساعد على تحديد مناطق من حدود الورم حيث يحدث غزو برانشيمي ويحدد هوامش الورم بشكل أفضل.
علامات الاستجابة المبكرة
قد يكون معامل الانتشار الظاهر ADC علامة استجابة مبكرة للجراحة الشعاعية التجسيمية أو العلاج الإشعاعي لكامل الدماغ، على سبيل المثال، تم الربط بين ADC المنخفض للمناطق المعززة وبين المستجيبين في الأسبوع الأول والشهر الأول بعد العلاج، وعلى العكس، وجد آخرون أن زيادة قيم ADC تتوقع استجابة أفضل، التغييرات في ADC ديناميكية بحيث قد يكون الوقت الذي يتم فيه قياس التغيير أمراً حاسماً، قد يحفز العلاج الفعال في البداية الوذمة السامة للخلايا (التي من شأنها أن تقلل من ADC)، ولكن لاحقاً يؤدي إلى موت الخلية وتنخرها وكذلك الوزمة (التي من شأنها زيادة ADC)، من الواضح أنه يجب تحديد المسار الزمني للفيزيولوجيا المرضية الكامنة في النقائل الدماغية المشععة بمزيد من التفصيل لتحسين تفسير المقاييس المستندة إلى ADC.
وقد تم تحليل بيانات الإرواء من النقائل المشععة للمساعدة في تحديد استجابة الورم، مرة أخرى مع نتائج متضاربة إلى حد ما، في إحدى الدراسات، انخفض مستوى (معامل تباين النقل) وانخفاض تدفق الدم الدماغي النسبي في أسبوع واحد بعد العلاج المرتبط مع المستجيبين، في حين ارتفاع (تدفق الدم الدماغي النسبي) و(حجم الدم الدماغي النسبي) في 4 أسابيع ترافقت مع الفائدة العلاجية، كما قامت دراسة أخرى بتحليل بيانات Ktrans ووجدت أنه حتى زيادة صغيرة في Ktrans في 4 - 8 أسابيع بعد SRS ارتبطت بتطور الورم، على غرار التحليل السابق الذي وجد أن زيادة CBV في 6 و12 أسبوعاً يترافق بإنذار أسوأ (الشكل 7.5)، وهكذا، بالنسبة إلى ADC، نظراً للتغييرات الديناميكية المترافقة بتأثير المعالجة، فإن النقطة الزمنية لقياس التروية تبدو أساسية.
على وجه التحديد، قد يكون المستجيبون في البداية (في الأسبوع الأول) أقل تروية، لكن اتجاه تغييرات التروية التي ترتبط بالاستجابة عند قياسها في شهر واحد غير واضحة، في أوقات لاحقة زيادة الإرواء من المرجح أن يدل على استجابة ضعيفة. إن الجراحة الشعاعية التجسيمية SRS الناجحة تقلل من التروية في البداية في معظم الأورام، ولكن غير المستجيبين ينكسون بسرعة، مما يزيد من ترويتهم.
مقارنة البيانات من دراسات مختلفة تعتبر تحديًا أيضًا نظراً لتنوع المقاييس المستندة إلى التروية التي تم تحليلها، قد تساعد الدراسات الإضافية التي توحّد بعض المتغيرات المكتسبة والتي تركز على المسار الزمني للتغيرات في rCBV (الذي يُعتقد غالباً كمقياس تروية أكثر قوة واستخداماً) على حل هذه البيانات المتضاربة.
في الدراسات الأولية تم استخدام التصوير البوزيتروني PET لتحديد تأثيرات العلاج التي قد لا تظهر على التصوير بالرنين المغناطيسي، على سبيل المثال، يقل نشاط FDG PET (18-FLUORODEOXYGLUCOSE PET) لدى بعض المرضى الذين يعانون من نقائل إيجابية HER2 + من سرطان الثدي التي تم علاجها بنجاح، واسمات نوعية للتصوير البوزيتروني PET مثل الأجسام المضادة وحيدة النسيلة Zrtrastuzumab89 قادرة على كشف النقائل الدماغية إيجابية HER2 + من سرطان الثدي مع نسبة قبط بالنسبة للخلفية، بالنسبة للنقائل الدماغية من سرطان الثدي المُعالجة بالبكليتاكسيل يرتبط تساهمياً مع angiopep-2، والتغيرات في FLT PET ترتبط مع موجودات التصوير بالرنين المغناطيسي في دراسة تجريبية لـ 10 مرضى بعد دورة معالجة واحدة ويبدو أنها ترتبط مع الإنذار خارج القحف، التغيرات في 3 أسابيع في مرضى إيجابيي HER2 + ترتبط مع استجابة الورم خلال 8 أسابيع كما تقاس بالتصوير الطبقي المحوري. هذا غير صحيح بالنسبة لـ FDG PET. وبالتالي قد يتفوق 89Zrtrastuzumab PET على FDG PET كعلامة استجابة مبكرة، على الرغم من أنه لم يتم إجراء دراسات لتقييم النقائل الدماغية.
وكانت علامات الاستجابة المبكرة المعتمدة على التصوير الشعاعي للنقائل الدماغية مجالًا نشطًا للتحقيقات ومن الواضح أن لديها إمكانات كبيرة لتحسين رعاية المرضى. حتى الآن، يبدو أن مقاييس التصوير المتقدمة، سواء كانت مستندة على التصوير بالرنين المغناطيسي أو PET، لم يتم تطويرها ودراسة صلاحيتها بما يكفي للسماح باستخدامها السريري.
المعالجة المناعية
يمكن للعلاجات البيولوجية مثل العلاج المناعي أو العلاجات المستندة إلى الأجسام المضادة أيضاً أن تُظهر تغييرات شعاعية التي قد تشتبه مع نكس الورم أو التقدم. يزيد العلاج المناعي من حدوث النخر الشعاعي بعد علاج النقائل الدماغية مع الجراحة الشعاعية التجسيمية، كما تم الإبلاغ عن زيادة معدلات النزف من نقائل الميلانوما في الدماغ المُعالجة بعلاج شعاعي لكامل الدماغ ودواء ipilimumab. في إحدى الحالات، ظهر أن نقائل ورم الميلانوما الدماغية تتقدم من خلال التصوير بعد 11 يوماً فقط من المعالجة مع pembrolizumab المثبط PD-1، ولكن الإصابات التي تم استئصالها جراحياً لم تظهر إلا تغيراً مرتبطاً بالعلاج بدلاً من الورم القابل للحياة، يمكن أن يكون للـ fet PET دور في تمييز التقدم الكاذب عن الحقيقي في إعداد العلاج المناعي.
في دراسة صغيرة جداً للمرضى المصابين بالميلانوما مع نقائل دماغية تم علاجهم بتثبيط نقاط التفتيش المناعية، كان الحد الأقصى لنسبة الورم إلى الدماغ الطبيعي المحسوبة من فحوصات الـ FET PET: 2.5 في تقدم كاذب وحيد ولكن تراوح بين 2.9 و8.6 في أربع تقدمات (تطورات) حقيقية، سيكون من الضروري لمزيد من توصيف العلاقة بين الواسمات التصويرية، والتوسع (التقدم) الكاذب المحتمل، والإنذار والنتائج في هؤلاء المرضى.


التنبؤ بالاستجابة للمعالجة قبل البدء بها
قد ترتبط ميزات التصوير القياسية والمتقدمة مع الإنذار، قبل العلاج البدئي، هذه العلامات الإنذارية يمكن أن تساعد في اتخاذ قرارات العلاج، على سبيل المثال، يمكن أن تترافق الوذمة المنتشرة، بشكل عرضي إلى حد ما، مع المزيد من غزو الورم وإنذار أسوأ، وهكذا في المرضى الذين يعانون من نقيلة دماغية وحيدة مُعالجة بالاستئصال الجراحي، البقيا الأفضل ترتبط مع الوزمة الدماغية الغزيرة، في حين أن الأورام ذات الوذمة الدماغية الصغيرة تبدو وكأن لديها نمط نمو أكثر غزواً. الميلانوما أو الأنسجة الكلوية والعلاج الإشعاعي البدئي للدماغ تتنبأ بزيادة الوزمة بعد علاج الجراحي الشعاعي التجسيمي، مما يوحي بأن هؤلاء المرضى قد يحتاجون إلى مراقبة أكثر دقة من أجل تطوير المفعول الأكبر، المتوسط العالي لمعامل الانتشار الظاهر ADC للآفات في المرضى الذين يعانون من نقائل دماغية واحدة ويرتبط مع بقية أطول (30 مقابل 7 أشهر)، تم الإبلاغ عن نتائج مماثلة من قبل آخرين، قد تشير إشارة FLAIR العالية في الجوف المستأصل في مرضى ما بعد الجراحة إلى حدوث نكس موضعي وشيك بعد الاستئصال الجراحي العصبي، على العكس، لا CBV السابق للعلاج ولا MRS تنبئ بالاستجابة للجراحة الإشعاعية. نأمل أن يساعد الجمع بين هذه العلامات أو الإنذارات المشابهة مع علامات الاستجابة المبكرة والاستباقية في تحسين معالجة المرضى الذين يعانون من النقائل الدماغية.
الاستنتاجات
يمتلك التصوير بالرنين المغناطيسي حساسية رائعة للكشف عن أورام الدماغ بجميع أنواعها ويبقى طريقة الاختيار الأفضل لتحديد النقائل الدماغية ورصد استجابتها للعلاج، وقد أدى التوسع الكبير في كفاءة MR إلى وجود عدد كبير من الواسمات الحيوية الفيزيولوجية والتصويرية الشعاعية التي قد تضيف قيمة إلى MR القياسي، استناداً إلى الإمكانيات الجديدة لتوصيف الخلوية والتكوُّن الوعائي والتروية ودرجة الحموضة ونقص الأكسجين وغير ذلك من خصائص النمو والاستقلاب الخلوي الطبيعي وغير الطبيعي، قد تعمل هذه الأدوات على تحسين تشخيص ومراقبة المرضى المصابين بالنقائل الدماغية أثناء تقدمهم من خلال العلاج كما قد تسمح للتصوير بتحسين أفضل لنتائج المرضى وإنذارهم.
إنَّ التصوير المتقدم، بما في ذلك التروية perfusion والانتشار diffusion وMRS في المناطق حول الورم، قد تساعد على تمييز الورم البدئي عن النقائل، كما أن التروية والتصوير البوزيتروني بالحمض الأميني amino acid PET تُثبِت أنها تقدم مساعدة قيّمة للتصوير القياسي في تمييز النخر الشعاعي عن تأثير العلاج.
إن معايرة هذه المؤشرات الحيوية وتقييمها والتي يمكن استخدامها في النمذجة الآلية والنموذج المتعدد الأوجه استنادًا إلى بيانات MR وPET، هي محاولات جارية تحتاج إلى تبسيط لزيادة الإنتاجية من الاكتشاف إلى التحقق من فاعليتها، مما يسمح بوضع علامات قوية تستهدف تطبيقات معينة بشكل معقول في الممارسة السريرية.

رنا عمران 


طباعة   البريد الإلكتروني